أقود في القرية، لا أقود في المدينة

أقود في القرية، لا أقود في المدينة

ريم الفضلي

كانت الساعة تشير إلى السادسة صبحاً، كنا نسابق الشروق إلى القرية، النور ما زال يتهادى على روؤس الجبال العديدة، بعد نزولنا عن الطريق السريع، وابتداء الطريق الفرعي، تبادلت وأخي المقاعد، مقعد الراكب ومقعد السائق، وقدتُ دون مبالغة، بمبالغة صغيرة، القيادة الأجمل في حياتي، بسيارة والدي، مع أخوتي، في قرية أجدادي.

أقود في القرية، لا أقود في المدينة، لأن القرية حريّة، تشبه الفطرة، والبدايات الجديدة، تسود الألفة، ولا تشبه اكتظاظ الغرباء في حي واحد، القرية تجيء قبل التشريعات المعقدة والمقنّنة، لا شرطة، لا مرور، لا دور رعاية لحبس الإناث الهاربات، لا هيئة لهشّهنّ، لا ناس غريبة، من المحتمل أن يمثّلوا دور “المواطن رجل الأمن الأول” عليك.

أقود في القرية، لأن الحكومة لا ترقى لمرتبة الإحسان؛ أن تطيع الحكومة كأنها تراك، فإنْ لم تكن تراك، فخلّينا نفلّها، ونجرّب القيادة مثلاً في أرضنا، أن نأخذ اللفة بشكل أقوى، ليتراصّ الأخوة في الخلف، نحو الجهة المعاكسة.

نساء القرى يقدن بحرية، يقضين حوائجهن بنفسهن، المعلمة منهن لمدرستها، الأم توصل أبنائها لمدارسهم، في المدن المتمدنة المتحضرة المتطورة، المتناقضة، لا يحصل هذا.

في القرية قدت، في بلادي، لأول مرة، في النأي، بعيدا عن الأعين، لغير حاجة، لمجرد التجربة، وحدنا، في الطريق المتعرج الذي يقود إلى نزلنا الصغير هناك، قدت بين أشجار الوادي، في خلاء الأرض، في السكون الفطري للأرض التي لا يعمرها الإنسان الحديث، لأن تشريعات المدن المتخلفة لا تسري على الأراضي البكر، أمّنا الأرض الطيّبة، لحسن الحظ، لا تفرّق بين جنس من يسير عليها؛ قدم تدبّ، رزق منثور، عقل يدبر، وانتهى الأمر، الإنسان يفعل. الطبيعة لا تسن القوانين المجحفة والغامضة، الإنسان المحمّل بأفكار مسبقة مَن يفعل، مثلا، يستورد المركبات من عقود طويلة، ويمنع نصف مجتمعه من مزاولة قيادتها.

على هذه الأرض، كانت جدّتي، التي حملت طفلين من المدينة مشياً على قدميها، لسبعين كليومترا، مخلفة وراءها أربعة بنات حصدهن الطاعون، سافرت وحدها، لم تحتج لتصريح سفر، لتقيم أود حياتها. جدتي التي كانت تقود الناقة والحمار، تستقبل الأضياف، تذبح لهم، في غياب جدي، تسقي البيت من البئر، وتتوجه إلى السوق البعيدة، من ربت رجلاً عتيدا، لم يمانع أن تقود بناته مكوك فضائي، لو كان لهنّ النجابة الكافية فحسب، جدتي الأخرى كانت تدير الحلال، تدبر أمور الأسرة، وتهش الذئاب عن القطيع.

هؤلاء جداتي، هؤلاء جداتنا. نصف المجتمع الفاعل، الحي، غير المقهور، غير المغدور. الذين لم يقل لهن أحد في حياتهن أين ولي أمرك. اللاتي لم يهددهن أحد في حياتهن بالفصل من المهنة، بالمنع من السفر، بقطع البعثة، بالمنع من الخروج، بمنع الحياة الاجتماعية.

ثم جئن الحفيدات، اللاتي لا يستطعن التحرك فترا دون إذن ذكور العائلة، وذكور الحكومة. الجدة تعرف أمور الدابة، تقودها من وقت لآخر، لم يبدُ جنس من يمسك بالسرج إشكالية. الحفيدة تشارك في قروب واتزاب للبحث عن سائقين، يأخذونها للجامعة. قدر الحفيدات العراك لأجل التنقل، وسؤال الرجال الغرباء من البلدان البعيدة، لتكون المعاملة شختك بختك، إما احترام، وإما تأخير وتهديد بالترك بعد دقيقتين، إما مصالح، أو تحرشات وتطفلات مشينة، إما معاملة لائقة، أو قيادة مزاجية. ثم يجيء مستكتب ليقول عنهن جاهلات وحمقاوات، عديمات خبرة، لا يعرفن أي شيء عن أي شيء. سائله من قلصهنّ، من منعهن، من جعلهن أتباعاً، لا أقرانا لمشاركة رحلة الحياة.

ألف وثمان مئة ريال لأجل مشوارين، ربما مشوار باليوم، للرجل الغريب بالدار. وتذلّل، لكي لا يهرب، وتتبدد معه ١٠ آلاف ريال استقدام. يظن العالم السائق رفاهية مختارة. لكنه من الغلب وانقطاع الحيلة. السائق مشكلة مترفة. لمن لا تجد سائقاً من الأساس. لمن لا تفعل شيء، إلا وفق جداول ذكور العائلة الممتلئة. والجدول الممتلئ للأخوة رفاهية أخرى، لمن لا تجد أحداً من الأساس، لظروف المنع.

في المدن المليونية، في رتم الحياة المتسارع، في ابتعاد الأماكن عن بعضها، واشتداد الحاجة للتنقل بمرونة، في انعدام وسائل المواصلات العامة، كم يبدو زائفا كل هذا العمران والامتداد والنمط الغربي المستورد بحذافيره، والمرأة لا تملك حرية التنقل، ضمن حريات أخرى يفتك بها الاستبداد، في بيئة يضرب بها فقه التخلف أطنابه، التخلف الذي يشرحه خلدون النقيب. لو أراد نصف المجتمع، أو ربعه التخلص من هذا الإرث، لو أكمل المعارضون معارضتهم بسلام، فستجيء الدولة، مَن تقنن الحظر، لا السماح، مَن تجعل المؤيدين والمعارضين سواء، مَن ترعى التراتبية، تربي العجز، تخلق لات وعزى متسلطة، تشبِهها، اسمها “ولي الأمر”.

تُساق الحجة تلو الحجة، في المحافل، أمام القريب والبعيد، عن جاهزية الدولة، عن عدم تقبل المجتمع، عن أنها مسألة وقت، عن الأمان المفتقد لقيادة النساء في الشوارع، يقال ذلك عن الدولة التي تنعش اقتصادات الدول بصفقات الأسلحة، عن الدولة التي تمول جيوش الآخرين، تقود الحروب، وتؤسس التحالفات، وتجتث الإرهاب من منابعه. في نهاية الأمر، موظفة من ٢٥ عاما، لم تذهب يوما لعملها بنفسها. لم يحدث أن تخفض سيدة النار عن الغداء، لتجلب أطفالها. وطائش يقول بالعلن أنه سيغتصب أي امرأة تقود، في يوم القيادة.

القيادة مشكلة طبقات. يجب أن نقر بذلك. ماذا لو كن نساء الطبقة الثرية هن من يعانين من منع القيادة، كم كان سيستمر الحظر، ماذا لو كان بزنس لتلك الطبقة سيتضرر من منع القيادة، لكم ستصمد حجج المنع وفتاويه؟ نعم القيادة مشكلة ذكر وأنثى، دولة ومجتمع. لكنها أيضا صراع طبقي. في ظل ما يحدث يجب إعادة النظر لكل مشكلة بتحديد موقعها في طبقات المجتمع، كم نسبة المتضررين منها في كل طبقة. مشكلة القيادة؟ في طبقة الأثرياء؟ صفر مئوي، لأنه سيظل من برستيج نسوتهن أن يقود بهن سائق مشخّص، قدنَ نساء الشعب. أم لا.

لم يحدث لسيدة منهن أن لا تجد سائقها بالخارج. لهذا، عليهن أن يسكتن حين الحديث عن حقوق الشعب. مَن تقيم في جنيف وباريس وتتحدث عن القيادة يجب أن تسكت. من تملك قاراج سيارات بلوحة واحدة “حصة” يجب أن تسكت. من تقول السعوديات لا يملكن ثمن شراء سيارة يجب أن تسكت. لأن مخصصاتها أحد مشاكل أن لا تمتلك المواطنات ثمن سيارة، ولأنها تولد بعرق ذهبي يجري بالبذخ، ولهذا يجب أن تسكت.

الأميرة تقص شريط، تتبرع لجمعية أطفال خيرية، تفتتح مركز نسائي، تحضر عرض أزياء، تجعل كأس السوبر في لندن، تهدي ثلاث ساعات رولكس لطبيب أسنانها في كاليفورنيا. الأميرة تنفق ما تشاء من المال العام، المواطنة لا تملك حق التنقل في المجال العام. لهذا؛ كانت مفردة الأميرة والملكة في أدبيات حظر القيادة من أحمق ما يمكن. الأميرة لم تعد لفظة أسطورية في حكايات ديزني، الأميرة سيدة نسمع عنها، لا نعرفها، ولا تعرفنا. المواطنة السعودية ليست ملكة ولا أميرة. ملكة طل.

عبر الحدود قليلاً، شرقاً أو جنوباً، لبلاد تشبهنا، نفس الأرض ومكتسباتها، نفس النظام الحاكم، نفس التقاليد والإيمان، نفس الملامح، هناك سيدة تخرج منقبة بلاندكروزر في شارع الكورنيش، وصديقات يطفن شارع الخليج دون أن تُخسف الأرض بهن، وسيدات أخر لم تعد أعداد الطيارات الحربيات منهنّ ملفتة، لو جئن هؤلاء، عبر منفذ الخفجي أو البطحاء مثلا، ستبدو أول مشكلة دميمة، بحق الإنسان الأنثى فيهن، في أرض بنات العم.

القيادة ليست الشر كله، لكنها الطُّعم الذي ترميه، بالمياه العكرة، وتجلب معها وجبة من الحقوق المأكولة، باسم أي شيء تشتهي. القيادة حق، وأفضليّة لمن يتقنها، ويحترم قوانينها، ليست لجنس معيّن. الأمر بسيط. في المدن الفسيحة، والشوارع المديدة، أو في القرية الصغيرة، ذات الحصى الملون، بين أشجار السدر، مرورا بالبئر السبيل، وجيران الوادي، الذين تقطع ابنتهم الأسفار لكلية الطب بالمدينة، وجيران كلية الطب بالمدينة، الذين يتسمّرون يوميا أمام سفافات البث، يحلفون بالموت للابنة التي تفكر بالطب، ومن المؤكد، للابنة التي تحلم بالقيادة..

عدد المشاهدات : 2222

 
 

شارك مع أصدقائك

4 Comments

  1. انهيت المقال وانا اتمنى ان لا ينتهي .. كلماتك اخرجت دمعة قهر وحسرة .. شكرا وجود العظيمة

     
  2. حين تكتب ريم من القلب، من صدر غاضب، ومن لعنة أبدية تصيب “المواطن والمواطنة” على حد سواء. في المملكة القارة تضيق الشوارع فلا تتسع إلا لنصف الـ25 مليون إنسان، أولئك الذين لا يعرف العالم منهم إلا “سمو الأمير وولي العهد وولي ولي العهد”، ولا يعرف إلا الرز ومشتاقته، تلك التي يدفعونها صباح مساء من فائض جيب المواطن!

    لله أنتِ يا ريم، لو كُنّ بنات هذا البلد مثلكِ.

     
  3. العنود سعد says:

    أجمل وأصدق مقال قرأته في حياتي, شكراً لك