الحضور الأنثوي في حروب العالم

الحضور الأنثوي في حروب العالم

رحمة الراوي

كانت تنظر إلى أصابع يدها اليمنى وتشعر بالأسف، تقول: لقد نسيت ارتداء خاتمي المفضل! تركتُه وحيدًا، وبحزن حقيقي كانت تنطق العبارة الأخيرة، بينما انشغلنا عنها بجمع الأغراض، أيُ خاتمٍ هذا الذي سنشعر بالحزن عليه ونحن نفارق أرضاً بأكملها.. لكن رغم ذلك، كان الأمر طريفاً، الانشغال بشيء تفصيلي بسيط، وسط فوضى كبيرة.. وفي الطريق، أسِفتُ أيضا لتضييعي خاتمي الفضيّ الصغير، وتذكّرت جدتي التي كانت تنزعج كثيراً من يد امرأة لا ترتدي خاتمًا، “كأنها يد رجل”، كانت تقول.

في كتابها “ليس للحرب وجه أنثوي” تحكي سفيتلانا ألكسييفيتش، قصصاً كثيرة عن فتيات صغيرات غادرن دفء بيوتهن إلى الحرب، باختيارهن أحيانًا، ولنقصٍ في عدد المقاتلين في أحيان أخرى، ومن بين ما قصّته، كيف كانت المجندات العاملات في البريد، يجلسن طوال الليل يكتبن الرسائل للمقاتلين، ويرسلونها إليهم، دون أن يذكروا اسم المرسل: “عزيزي الجندي، تكتب لك فتاة لا تعرفها، كيف تضرب العدو؟ متى تعود منتصرًا؟ كنا، طيلة الليالي، نجلس ونكتب الرسائل”.. وتصف المقاتلين وهم يستلمون رسائلهم: “بعينيّ كنت أرى كيف كان المقاتلون يبكون، ويقبّلون المغلف عند استلامهم رسالة في الخط الأمامي”.

لقد كان المقاتلون ينتظرون رسالة من أمهاتهن، أو زوجاتهن وحبيباتهن، ولأن كثيرًا منهن قد قتلن بسبب الحرب والقصف، كانت المجندات يكتبن الرسائل، بهذا الشكل الجماليّ الأخاذ، مشهد تصنعه الفتيات بإرادتهن وسط حرب مريعة، فقط ليرين كيف يفرح المقاتلون، وكيف يدبّ بينهم المرح بفعل تلك الرسائل، ويتأملن شكل الحياة وهي تستعيد وجهها في ملامحهم.

بينما تروي أولغا، إحدى المجندات، وتقول: “عندما كان الرجال يرون امرأة في الخط الأمامي، كانت وجوههم تتغيّر، حتى أن الصوت النسائي كان يغيرهم، ذات مرة، جلست قرب الخندق، رددت أغنية بهدوء، كنت أظن أن الجميع نائمون، ولن يسمعني أحد، وفي الصباح قال لي القائد: لم نكن نائمين.. هذا الحنين إلى الصوت النسائي”.

تبحث المرأة بشكل دائم ومحموم عن الجمال، الجمال في اليدين، في الأذنين. كثيرًا ما أتساءل وأنا أنظر إلى الأقراط المصفوفة لديّ: كيف واتت الجرأة أول امرأة فكّرت في ثقب أذنيها لتضع شيئًا يزيّنها؟ وكيف رأت ذلك في المرآة أو بانعكاسه على النهر لأول مرة؟ المرأة التي تشقّ كل طرق الألم وتتحملها غير آبهة لها، فقط لتصنع شيئًا جميلًا، لتبدو أجمل، أكثر حنانًا، وأكثر دفئًا، لا تكترث للطريق الوعر، فما يهمها أن تعيد لوجه الحياة الجمال المنسيّ.

بينما كان “فاسيل بيكوف” في “أنشودة الألب”، يحكي قصة هارب من معتقلات الألمان، إلى جبال الألب، غارقًا في ذلّه ومهانته التي عاشها في معسكراتهم، يحكي كيف التقى لأول مرة بتلك المعتقلة التي رافقته في طريق هروبه نحو الجبال، وكيف حاربت تلك الطرق الوعرة المخيفة معه، عن اكتشافه لها لأول مرة، فجأة، اكتشف بأن إنسانًا آخر إلى جواره، يمنحه حضوره الدفء الذي نسي لفرط ما عانى كيف شكله، هذا الحضور الأنثوي الذي يخلق طريقًا آخر من الحياة، ماحيًا في خطاه المرحة وطأة الحزن والذلّ وسنوات العذاب.

كان يصف، كيف أعادت هذه الفتاة الرقيقة إليه إحساسه بالحياة من جديد، وبالجمال، صار يرى ما حوله مرّة أخرى بعدما غلّفه القهر سنوات طويلة حتى أضاع رؤيته لكل شيء، كيف جعلته يكتشف الورد مجددًا، هذه الزهور الحمراء الصغيرة التي كان يطؤها فقط، يدوسها في طريقه الطويل، لكن الفتاة، جعلته يحسّ بجمالها، ويقطف باقات من تلك الزهور ليهديها لها، لقد أعادت إليه روحه، ونظرته للعالم والحياة.

يشكّل حضور المرأة في الحرب، مظهرًا ضروريًا من الجمال، كيف يمكن أن يتجاوز العالم الحرب دون نساء؟ من سيعطف؟ سيشفق؟ من سيعانق ويمحو بكفّيه جروح القلوب؟ من سيبكي ألم المصابين؟ من سيصنع من دفء قلبه طعامًا، كل لقمة منه هي ضحكة وفرح وشفاء.

يُستخدم الكلام عن حبّ النساء للزينة، وللأشياء التي تضفي جمالاً عليهن أو على ما حولهن من أشياء، عن بحثهن الحثيث في الأسواق عن أشياء بسيطة، وربما تافهة، يستخدم ويروى وكأنه طرفة، يتم تناقلها للضحك، وهي بالفعل تكون مضحكة في غالب الأحيان، فما الذي يجعل المرأة تخرج وسط القصف لتبتاع ملابس جديدة لها؟ ما الذي يجعلني أتصل بصديقتي رغم سقوط صاروخ قريب قبل ساعة، لأخبرها عن فضيّات جديدة تستحق الزيارة في أحد المحلات؟ ما الذي يرغم فتاة على ارتداء حذاء أحمر جديد بكعب مرتفع، وهي تنوي السير في طريق نزوح وحرب طويل؟

كما أن الرجال، بعلمهم بذلك أم لا، يتعاملون مع النساء على هذا النحو في كثير من الأحيان، وكما تروي سيفتلانا عن مجندات كنّ يتضايقن من تعامل المجندين معهن، فقد كانوا يتعاملون مع الفتيات المقاتلات بشيء من الرقة والعطف، حنانٌ حزين عليهن، وعلى ضعفهن، بينما كنّ ينزعجن من ذلك “لقد جئنا لنقاتل”، لكن الرجل، لا يستطيع تخطّي الرؤية الجمالية للمرأة، فهو ليس متأسف عليها لضعفها، بل لانكسار صورة الجمال التي تضفيها المرأة على وجود الرجل، كيف يمكن للمرأة أن تحطّم عالمها الجماليّ، وتحمل سلاحًا وتقتل وتقاتل؟

لا يمكن للمرأة أن تتخطى هذه الرغبة في البحث عمّا يجمّل صورة الحياة، عمّا يخلق فرحًا فيها وفيمن حولها، كيف وإن كانت هي ذاتها الصورة الأكثر جمالًا في الحياة، لا بدّ وأنها ستجابه كل شيء لتكون أكثر جمالًا، وأكثر حنانًا على من تريد لهم رؤيتها وهي جميلة، ولا يمكن للرجل تخطي ذلك أيضًا. إذ من سيعيد لهذا العالم بهجته بعد حرب طويلة؟

عدد المشاهدات : 296

 
 

شارك مع أصدقائك

One Comment

أكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *