الذين قالوا: لا

الذين قالوا: لا

عبدالعزيز البرتاوي

أولئك الذين تألفهم ظهور أبواب السجون، أكثر مما تعرفهم وجوه أبواب الملوك. الجاثمون في مراتع مباديء عرائنهم، لا تحولهم لقمة، ولا تغيّرهم نعمة أو نقمة. مصعروا أفئدتهم وخدودهم للجبابرة الطغاة، لا يقفون أذلّة لسلام ملكي، ولا تطرب آذانهم لنشاز نشيد وطني، أنشأته جوقة تحت إشراف مايسترو الاستعمار.

قابضة أكفهم على جمر المبادئ؛ لا يصافحون طاغية، ولا يذهبون لتجديد بيعة سلطان غاشم كل ما آنت ذكرى نفوق أو نفاس ملكية.

تلك الأكف الخشنة، تشذب أحطاب المواقف، وتشد على فؤوس المقاومة، وتمسح برتابة على أكتاف جيل يعرف أنها لن تخذله. أكف لم يممسها سحت زيت مائدة الخليفة، ولم تتدبق بنفط البداوة الحديثة، ولا ألوان طلب الهجرة وأختام جوازات معابر الذين علوا في الارض، إلا للضرورة.

شامخة أنوفهم، تعرف في وجوههم الأنفة. حتى للغريب، يبدو بهاء دواخلهم. باديا على هيئة خوارجهم. وبقدر تمسكنهم وانحيازهم للذين استضعفوا في الأرض، بقدر تعاليهم ومقارعتهم للذين استكبروا فيها.

يغويهم كتاب، وتسرقهم أغنية، وتوجعهم لمحة، وتأسرهم عين، وتتعبهم نظرة، وتأخذ بألبابهم ضحكة، وقد تسقطهم أرضًا طرفة. يغلبهم خادم، ويصرعهم طفل. لكن كل دعايات السلطة وصرير أبوابها وصخب أبواقها؛ أقل من أن تحرك في أطراف معاصمهم شعرة.

الرافضون حين يوافق القطيع. الصارمون الصارخون بلا، حين يؤمن الجميع. ليس كبرا ولا مخالفة، بل حقًّا ومعرفة. لا يسبحون مع التيار ولا ضده. إنهم لا يسبحون أصلا، ولا تغويهم مياه هذا العالم العكرة.

لا تعرفهم منصات التتويج. فوزهم أكبر من أن تقدره جهة مانحة. ولا تدعوهم مؤتمرات التكريم، امتيازاتهم لا تخضع لتقديرات اللجنة. ولا تدعمهم الحكومة، استغناؤهم يفقرها، وتعاليهم يكسرها.

لا يسافرون حيث يذهب الجميع. في ضجيج الآخرين ما يؤرق أناقتهم، ولا يقرؤون ما يقرأ الجميع، في تفردهم ما يدلهم على أصالة تتبدى بمرور الزمن، ولا يخوضون السباقات، ذلك أن المراهنة، قد تخدش شيئا من ترفعهم، ذاك الذي قد يهب السباق لأضعف منه، حتى لا ينجرح شيء من نبلهم.

وبقدر ألفتهم، وحنوهم، قد تبدو صداقتهم لا تطاق. ذلك أن فيها من تكلف النبل، وتجشم الرفعة، وتتبع حذافير المباديء، وعناء النفس والنَفس، ما يتعب الأصدقاء، ويؤرق الأقرباء. يشاجرون بحدة، ويقبّلون بأشد منها. كفهم التي تصفع، تنتشل، وأفواههم التي تشتم، تقبّل، وأعينهم التي تلمح بشزر وشرر، تستحيل حضنًا حين العطف.

غرباء في محافل الجميع، لطفاء في معازلهم. يبدو عليهم الوجل ويذيبهم الخجل، حين تلمحهم في مجامع الناس، وفي أكنافهم يتواقحون حتى لا تكاد تعرفهم.

يثقون بالغريب. كل كف ممدودة معهم، عقد. كل نظرة مصادِفة، ودّ. كل عبور متزامن، عهد. وقد يصفعون القريب، حين يجعل من قربهم مصلحة لزيف عابر أو قرب آثم.

لا يلتفتون، إلا ليهبوا الغريب العابر تأكيد بسمة. أو يتنشقون عطرًا لذكرى، جاءت به نسمة.

لا تنسيهم كوالح كواحل الليالي قضاياهم، ولا شموس النهارات تخفف حدة صرير أسنانهم على ما يقاتلون لأجله. يعضون بقلوبهم كما أسنانهم، ويشتمون بأعينهم كما أيديهم وأفواههم. كبرت كلمة عندهم أن يُدعوا إلى مصافحة عدوّ أو مقاطعة غريب.

قد لا تضيء سجونهم سوى شيبات رؤوس طال ابيضاضها في سجون الذين ظلموا، لكن في قلوبهم شمسًا، تجعل من عتمات زنازينهم، منارات ضياء للذين سيجيؤون، راكعين في محاريبهم، ومقسمين، أنَ مهما هدد الطاغية بسجنه الذي وراء الشمس، لن يكون قادرًا على إطفاء هذه الشموس التي من لهب وضياء.

أيها الذي صيّرته قويًا؛ نطفة، فكان من آل السلطة: كيف تأخذ شمسًا، وراء الشمس؟

عدد المشاهدات : 964

 
 

شارك مع أصدقائك

Comments are closed.