الواجبات الثلاثة – كازنتزاكي

الواجبات الثلاثة – كازنتزاكي

مدير التحرير

‏نجيء من هاوية مظلمة، وننتهي إلى هاوية مظلمة، ونسمّي الفاصل المضيء بينهما: الحياة. حالما نولد، تبدأ العودة، يبدأ حالا الانطلاق والعودة، ونموت في كل لحظة. وبسبب ذلك صرخ كثيرون: إن هدف الحياة هو الموت! ولكن، حالما نولد، نبدأ الصراع لنخلق، لنؤلف، لنحول المادة إلى حياة، ذلك أننا نولد في كل لحظة. وبسبب ذلك أيضًا صرخ كثيرون: إن هدف الحياة العابرة هو الخلود.

‏يصطدم في الكائن الحي المؤقت جدولان: الأول هو الارتقاء نحو التركيب، نحو الحياة، نحو الخلود. ‏الثاني: الانحدار نحو التفكك، نحو المادة، نحو الموت. وينبع كلا الجدولين من أعماق الجوهر البدائي.

‏تدهشنا الحياة في البداية، وتبدو نوعًا ما وراء القانون، ومضادة للطبيعة، وإلى حدّ ما كإبطال مؤقت للينابيع الأبدية المظلمة، ولكن في الأعماق نشعر أن الحياة هي نفسها دون بداية، قوة غير مدمرة للكون. كل من القوتين المتعارضتين مقدس. بالتالي، من واجبنا أن نمسك تلك الرؤية التي تستطيع أن تعانق القوتين الضخمتين واللازمنيتين، وغير المدمرتين وتمنحهما الانسجام، ومن واجبنا أيضًا، أن نعدل، بتلك الرؤية، تفكيرنا وأفعالنا.

‏التحضير للواجب الأول: ‏أنظرُ إلى العالم بوضوح وهدوء وأقول: كل ما أراه، وأسمعه، وأتذوقه، وأشفه، وألمسه، هو من خلق ‏ذهني.

‏الشمس تشرق وتغرب في جمجمتي. من معابدي تشرق الشمس، وفي الأخرى تغيب. ‏النجوم تشعّ في دماغي. الأفكار، الرجال، الحيوانات ترعى في رأسي المؤقت. الأغاني والبكاء تملأ المحارات اللولبية لأذني وتعصف في الجز للحظة. ‏دماغي يُمحى، وعندها يختفي كل شيء، مع السماء والأرض.

‏عميقًا في خلاياي الخفية، تجهد حواسي الخمس، تنسج وتنكث الزمان والمكان، الفرح والحزن، المادة والروح. ‏كل شيء يدوّم حولي كنهر، يرقص ويصنع دوّامات، الوجوه تتدفق كالماء، والعماء يزمجر.

‏لكن أنا، الذهن، أتابع الصعود بصبر ورجولة، ثابتًا في الدوار. وكي لا أتعثر وأسقط، أنصب معالم فوق هذا الدوار، أرفع الجسور، أفتح الطرقات، وأبني فوق الهاوية.

‏مصارعًا ببطء، أتحرك بين الظواهر التي أخلقها، أميز بينها من أجل فائدتي، أوحدها بالقوانين وأخضعها لحاجاتي العملية.

‏ولا أعرف إن كان هناك جوهر سري متفوق علي يعيش ويتحرك خلف المظاهر. ولا أسأل لأنني لا آبه. أخلق المظاهر في أسراب، وأرسم، بباليت مليء، ستارة عملاقة وشفافة أمام الهاوية.

‏هذه المملكة ابن لي، وهي عمل عابر وبشري. لكنه عمل صلب وليس هناك شيء أكثر صلابة، وفقط داخل حدوده أستطيع أن أبقى مثمرا وسعيدا ونشيطا في عملي.

‏أنا عامل الهاوية، مشاهد الهاوية. أنا النظرية والتطبيق. أنا القانون وليس هناك شيء خارجي.

‏إن الواجب الأول للإنسان هو أن يرى ويقبل حدود الذهن البشري دون تمرّد لا طائل منه، وأن يعمل ضمن هذه القيود الحادة دون توقف أو احتجاج. ‏ابن فوق الهاوية غير المستقرة برجولة وصرامة، المنطقة المستديرة والمضيئة، حيث يمكن أن تطحن وتغربل الكون كمالك للأرض.

‏ميّز بوضوح هذه الحقائق الإنسانية المرة والخصبة، التي هي جسدك وجسدنا، واعترف بها ببطولة: ‏أولًا؛ يستطيع ذهن الإنسان أن يدرك المظاهر فقط، لكنه لا يدرك أبدًا جوهر الأشياء. ثانيًا؛ لا يدرك جميع المظاهر وإنما مظاهر المادة وحسب. ثالثًا؛ لا يدرك حتى مظاهر المادة وإنما العلاقات فيما بينها وحسب. رابعًا؛ وهذه العلاقات ليست حقيقية ومستقلة عن الإنسان، ذلك لأنها من خلقه. خامسًا، وهي ليست الوحيدة الممكنة بشريًا، لكن ببساطة الأكثر ملاءمة لحاجاته العملية والمميزة.

‏داخل هذه القيود يكون العقل هو الملك الشرعي والمطلق. وما من قوة أخرى تهيمن داخل مملكته. أعرف هذه القيود، أقبلها، دون تذمر، وبشجاعة، وحبّ، وأصارع بارتياح في حيّزها، كأنني حرّ. أخضع المادة وأجبرها أن تصبح أداة ذهني الجيدة. أبتهج في النباتات والحيوانات، في الإنسان ‏وفي الآلهة كأنهم أولادي. أشعر أن الكون كله يعشش حولي ويتبعني كأنه جسدي.

‏وفي لحظات مفاجئة ومقيتة تومض عبري فكرة: هذا كنه لعبة قاسية وعبثية دون بداية أو نهاية أو معنى. لكنني أقيّد نفسي ثانية، وبسرعة، إلى عجلات الضرورة، ويبدأ الكون كله بالدوران حولي مرّة أخرى.

‏الانضباط، هو أعلى أشكال الفضيلة. هكذا فقط يمكن أن تتوازن القوة والرغبة وتثمر مساعي الإنسان. هكذا، بوضوح، وصرامة، يمكن أن تحدد عجز العقل وراء الظواهر، قبل أن تنطلق نحو الخلاص. يمكن ألا تنقذك طريقة أخرى.

‏الواجب الثاني: ‏لن أقبل الحدود، لا تستطيع المظاهر أن تحتويني، أختنق! إن الواجب الثاني هو أن أنزف في هذا الألم وأعيشه بعمق. ‏العقل صبور ويعدل نفسه، ويحب اللعب، لكن القلب يصبح متوحشًا، ولا يتنازل ليلعب. إنه يختنق ويندفع ليمزّق شباك الضرورة.

‏ما فائدة إخضاع الأرض والمياه والهواء وغزو الفضاء والزمن؟! ما فائدة فهم أية قوانين تحكم السراب الذي يرتفع من الصحارى المحترقة للعقل، وظهوره و تكرره؟

‏بي توق واحد وحسب، وهو أن أمسك ما هو مختبئ خلف المظاهر، أن أستكشف ذلك اللغز الذي ينجبني ويقتلني، أن أكتشف إن كان هناك وراء الجدول اللامرئي والمتدفق للعالم، حضور مختبئ لا مرئي وثابت. وإذا كان العقل لا يستطيع، إذا لم يكن مخلوقًا ليقوم بمحاولة اختراق الحدود إلى ما ورائها، عندئذ ‏أتمنى لو كان القلب يستطيع ذلك!

‏وراء! وراء! وراء! وراء الإنسان أبحث عن اللامرئي الذي يضربه ويسوقه إلى الصراع. أنصب كمينًا لأكتشف أي وجه بدائي يصارع وراء الحيوانات ليطبع نفسه على اللحم الهارب من خلال خلق وتدمير وإعادة صياغة أقنعة لا تحصى. أصارع لأخطو وراء النباتات الخطوات الأولى المتعثرة لللامرئي في الوحل.

‏يرنّ أمر في أعماقي: احفر! ما الذي تراه؟ ‌”رجالًا وطيوراً، مياهًاً و أحجارًا“. ‏‌احفر أعمق! ما الذي تشاهده؟ ‏”أفكارًا وأحلامًا، أخيلة وإيماضات‌”. ‌احفر عميقًا أكثر! ما الذي تراه؟ ‏‌”لا أرى شيئًا! ليل ساكن كثيف كالموت. لا بد أنه الموت‌”. ‌احفر عميقًا أكثر! ‏آه! لا أستطيع أن أخترق الحاجز المظلم! أسمع أصواتًا وبكاءً. أسمع رفرفة أجنحة على الشاطئ الآخر. لا تبك! لا تبك! ليست على الشاطئ الآخر؛ الأصوات والأجنحة والبكاء هي قلبك.

‏وراء العقل، على الحافة المقدّسة للقلب، أتابع، مرتجفًا، قدم واحدة تمسك التربة الآمنة، الأخرى تفتش في الظلام فوق الهاوية. ‏خلف جميع المظاهر، أعبد جوهرًا يصارع. أريد أن أمتزج به. ‏أشعر أن هذا الجوهر المقاتل يجاهد أيضًا، وراء المظاهر، ليمتزج بقلبي. لكن الجسد يحول بيننا ويفصلنا. العقل يقف بيننا ويفصلنا أيضًا.

‏ما هو واجبي؟ أن أحطم الجسد إلى أشلاء، أن أندفع وأمتزج باللامرئي. أن أترك العقل يسقط صامتًا كي أسمع اللامرئي ينادي. ‏أسير على حافة الهاوية مرتجفًا. صوتان يتصارعان في داخلي. ‏العقل: لماذا نبدد أنفسنا في مطاردة المستحيل؟ داخل الحيز المقدس لحواسنا الخمس، من واجبنا أن نعترف بحدود الإنسان‌. ‏لكن صوتًا آخر في أعماقي –سمّه القوة السادسة– يقاوم ويصيح: لا! لا! لا تعترف أبدًا بحدود الإنسان. دمر جميع الحدود، أنكر كل ما تراه عيناك. مُت في كل لحظة لكن قل: إن الموت غير موجود‌.

العقل: ‌عيني بلا أمل أو وهم، وتحدق إلى جميع الأشياء بوضوح. الحياة لعبة، مسرحية، يؤديها ممثلو جسدي الخمسة. ‏‌أنظر بشرهٍ، بفضول لا يُعبَّر عنه، لكنني لست مثل الفلاح الساذج، كي أؤمن بما أراه، أتسلّق إلى خشبة المسرح كي أتدحل بمجرى العالم‌.

‏‌أنا الدرويش، صانع العجائب، الذي يجلس ثابتًا على مفترق طرق الحواس، ويراقب العالم وهو يولد ويتدمّر، يراقب الرعاع وهم يهتاجون ويصيحون في الممرات المتعددة الألوان للغرور‌.

‏‌”أيها القلب! أيها القلب الساذج، اهدأ واستسلم!‌”. ‏لكن القلب يقف و يصيح: ‌أنا الفلاح الذي يقفز على خشبة المسرح ليتدخل في مجرى العالم!‌ ‏لا أحتفظ بأصول أو توازنات، لا أهدف إلى تعديل نفسي. أتبع النبض العميق لقلبي. ‏أسأل مرة بعد أخرى، ضاربًا العماء: ‌”من ذا الذي يزرعنا على هذه الأرض دون إذن منّا؟ من يستأصلنا من هذه الأرض دون أن يطلب إذنًا منّا؟‌”.

‏أنا مخلوق ضعيف وعابر صُنع من الوحل والحلم. لكنني أشعر أن جميع قوى الكون تدوم في داخلي. وقبل أن تسحقني، أريد أن أفتح عيني للحظة وأراها. ولا أضع أمام حياتي أي هدف آخر. ‏أريد أن أجد مبررًا واحدًا كي أعيش وأتحمل المشهد اليومي المقيت لهذا المرض والبشاعة والظلم والموت.

ومرة أخرى أنطلق من نقطة مظلمة، من الرحم، وأنطلق الآن إلى نقطة مظلمة أخرى، القبر. تقذفني قوة من الحفرة المظلمة لتجرني قوة أخرى وتقذفني بشكل نهائي إلى الحفرة المظلمة.

‏لست كالرجل المحكوم الذي مات ذهنه من الشراب. حجر ثابت برأس صاح، أخطو في ممرّ ضيق بين جرفين.

‏وأجهد كي أكتشف كيف أشير للذين يرافقونني قبل أن أموت، كيف أمد يدًا وأهجّي لهم، في الوقت المناسب، كلمةً واحدة كاملةً على الأقل، لأخبرهم رأيي بهذا الموكب، وإلى أين نتجه. وكم هو ضروري، بالنسبة إلينا جميعًا، أن تكون أقدامنا وقلوبنا منسجمة. ‏أن أقول في الوقت المناسب كلمةً واحدةً لرفاقي، كلمة سرّ، كالمتآمرين.

‏نعم، إن هدف الأرض ليس الحياة، وليس الإنسان. عاشت الأرض دون هذين، وستعيش بدونهما. إنهما ليس إلا الشرارتين العابرتين لدورانها العنيف.

‏لنتحد، لنمسك بعضنا بعضا بشدة، لنوحد قلوبنا، لنخلق –طالما أن دف ء هذه الأرض يتحمل، طالما أنه ليست هناك زلازل وطوفانات وجبال جليد ونيازك تأتي لتدمرنا– لنخلق للأرض دماغًا وقلبًا ونمنح معنى إنسانيًا للصراع “السوبرماني”. ‏إن الألم هو واجبنا الثاني.

الواجب الثالث: ‏يعدل العقل نفسه. يريد أن يملأ زنزانته، الجمجمة، بأعمال عظيمة، أن ينقش على الجدران شعارات بطولية، أن يرسم على أغلالها جناحي الحرية. ‏لا يستطيع القلب أن يعدّل نفسه. الأيدي تضرب على الجدار خارج زنزانته، يصغي إلى صرخات إيروسية، تملأ الجو. ثم، منتفخًا بالأمل، يستجيب مخشخشًا أغلاله، يعتقد لبرهة وجيزة أن أغلاله تحولت إلى أجنحة.

‏لكن القلب يسقط بسرعة جريحًا مرة أخرى، يفقد كل أمل، ويستحوذ عليه مرة أخرى خوفٌ كبير. اللحظة ناضجة: اترك العقل والقلب وراءك، تقدم إلى الأمام، قم بالخطوة الثالثة.

‏حرر نفسك من الرضا البسيط للعقل الذي يفكر بوضع جميع الأشياء في نظام آملًا أن يخضع الظواهر. حرّز نفسك من رعب القلب الذي يبحث ويأمل أن يجد جوهر الأشياء.

‏إغرَ الأخير، الإغراء الأعظم لكل شيء: الأمل. هذا هو الواجب الثالث.

‏نصارع، لأنّنا نحب الصراع، ونغني رغم أنه ليست هناك آذانٌ تسمعنا. نعمل رغم أنه لا يوجد سيد يدفع لنا أجورنا حين يخيم الليل. لا نعمل للآخرين، نحن الأسياد. كرمة الأرض لنا، وهي لحمنا ودمنا. نحرثها ونشذبها، نجمع عنبها، ندوسه ونشرب خمرته، نغني ونبكي، وتتولد الأفكار والرؤى في ‏رؤوسنا.

‏في أي موسم للكرمة تعمل؟ في الركش، أثناء القطف؟ أثناء الاحتفال؟ كل هذا شيء واحد. أركش وأبتهج في دورة الكرمة كلها. أغني وأنا أعطش وأكدح، سكران من الخمرة القادمة.

‏أمسك كأس الخمرة الطافحة وأحيا من جديد تعب أجدادي وأسلافي. يجري عَرَق عملي كنبع من جبيني العريض السكران. ‏ودّع جميع الأشياء كل لحظة وثبت عينيك، ببط ء وولع، على جميع الأشياء وقل: ليس مرةً أخرى.

‏أنظر حولك: جميع تلك الأجساد التي تراها ستتعفن. وليس هناك خلاص. أنظر إليها جيدًا: تعيش، تعمل، تحب، تأمل. أنظر ثانية: لا شيء يوجد! تنبعث أجيال البشر من الأرض وتسقط فيها مرة أخرى.

‏إلى أين نحن ذاهبون؟ لا تسأل! اصعد، اهبط. ليست هناك نهاية أو بداية. لا توجد إلا هذه اللحظة الحاضرة، مليئة بالمرارة، بالعذوبة، وابتهج بكل هذا. ‏الحياة جيدةٌ، والموت جيّد، الأرض مستديرة وصلبة بين كفي المجربين، كصدر امرأة.

‏أسلّم نفسي لكل شيء. أحبُّ، أشعر بالألم، أصارع. يبدو العالم لي أكثر اتساعًا من الذهن، قلبي سِرٌّ معتم وجبّار. أنا كيس مليء باللحم والعظام والدم والعرق والدموع والرغبات والرؤى. ‏أدور في الجو لحظة، أتنفس، يخفق قلبي، يتوهج عقلي، وفجأة تنفتح الأرض وأتلاشى.

‏في عمودي الفقري العابر يصعد ويهبط الجدولان الأبديان. في مدوناتي يتعانق رجل وامرأة. يحبان ويكرهان بعضهما ويتعاركان. ‏الرجل يختنق فيصرخ: ‌أنا الوشيجة التي تتوق إلى تمزيق القاعدة، إلى القفز من نول الضرورة‌. أن أتجاوز القانون، أن أسحق الأجساد، أن أغزو الموت. أنا البذرة!

‏ويجيب الصوت الآخر، العميق، المغري والنسوي، بهدوء ويقين: ‌أجلس على الأرض، وأنشر جذوري عميقًا تحت القبور. ثابتًا، أتلقى البذرة، أغذيها. كلي حليبٌ وضرورة‌. وأتوق إلى أن أستدير، أن أنحدر إلى الوحش، أن أنحدر إلى أدنى من ذلك، إلى الشجرة، إلى داخل ‏الجذور والتربة، وألا أتحرك من هناك أبدًا.

‏‌أسحب الروح لأستعبدها، لن أتركها تهرب، لأنني أكره اللهب الذي يتصاعد دائمًا إلى أعلى. أنا الرحم!‌ أصغي إلى الصوتين، كلاهما لي، أغتبط بهما ولا أنكر أيا منهما. قلبي رقصة الحواس الخمس، قلبي ‏رقصة مضادة تنكر الحواس الخمس.

‏قوى لا تحصى، مرئية وغير مرئية، تغتبط وتتبعني، حين أصعد بألم، مقاتلًا ضد التيار الجبار. قوى لا تحصى، مرئية وغير مرئية، ترتاح وتهدأ ثانية حين أهبط وأعود إلى الأرض. ‏يتدفق قلبي. لا أنشد بداية ونهاية العالم. أتبع الإيقاع المقيت لقلبي وأمشي بتثاقل!

‏إذا كان بوسعك أيتها الروح، اصعدي فوق الأمواج التي تزأر وخذي البحر كله بنظرة واحدة. امسكي ‏ ‏العقل بسرعة، ولا تهزّيه. ثم غوصي فجأة في الأمواج مرّةً أخرى وتابعي الصراع.

‏جسدنا سفينة تبحر في مياه زرقاء عميقة. ما هو هدفنا؟ أن نتحطم ونغرق. ‏ولأن الأطلسي شلال، لا توجد الأرض الجديدة إلا في قلب الإنسان، وفجأة، في دوامة أمة صامتة، ستغوص في شلال الموت، أنت وأشرعة العالم كله.

‏دون أمل، لكن بشجاعة، من واجبك أن توجه القيدوم نحو الهاوية وأن تقول: ‌لا شيء يوجد‌. ‏لا شيء يوجد! لا الحياة ولا الموت. أراقب العقل والمادة يصطادان بعضهما بعضًا، كشبحين غير موجودين –يمتزجان، ينجبان، يختفيان- وأقول: ‌هذا ما أريده‌.

_________________

  • هذا النص للكاتب اليوناني الكبير: نيكوس كازانتزاكيس. تم نشره مترجمًا من قبل القدير: أسامة منزلجي، في مجلة ”الكرمل” العدد 63. ربيع عام 2000م.

عدد المشاهدات : 311

 
 

شارك مع أصدقائك

Comments are closed.