باتريك موديانو – شذرات

باتريك موديانو – شذرات

مدير التحرير

I

ما أحبّه في الكتابة هو حالة الحلم التي تسبقها. أما الكتابة في ذاتها فليست ممارسة ممتعة.

II

ينبغي لنا في لحظة الكتابة بلورة الحلم على الصفحة، أي الخروج من الحالة. غالباً ما أتساءل كيف يفعل الآخرون ذلك؟ ماذا يفعل الكتّاب الذين، على غرار ما كان يقوم به فلوبير في القرن التاسع عشر، يكتبون الدفق الأول ثم يعيدون كتابته وبلورته وعصره وبناءه حتى لا يعود يظلّ منه أثر تقريباً في النسخة النهائية للكتاب؟ إن هذا يبدو لي أمراً مخيفاً. شخصياً، أكتفي بتصحيح الدفق الأول، الذي يشبه رسماً تمّ انجازه دفعةً واحدة. هذه التصحيحات كثيرة العدد وخفيفة الوطأة في الوقت ذاته، كأنها تراكم عمليات جراحية صغيرة.

III

ينبغي للكاتب أن يغرز مبضعه في اللحم الحي للنص، على غرار الجرّاح، وأن يتحلى بالبرودة والمسافة حيال كتابته لكي يتمكن من التصحيح والحذف والتخفيف والتشذيب. يكفي أحياناً أن نشطب كلمتين أو ثلاثاً من الصفحة لكي يتغير كل شي. لكن كل هذه التفاصيل والتقنيات ما هي إلا مطبخ الكاتب، وحسبي أنها مملّة للآخرين.

V

غالباً ما يساورني شعورٌ بأن الكتاب الذي أنهيته للتوّ ليس راضياً عني، وأنه ينبذني لأني لم أصل به الى ذروة طموحه. وبما أنه يستحيل علينا العودة الى الوراء، أجدني مضطراً الى الشروع في كتاب جديد، لكي أكمل ذاك الذي سبقه. لهذا السبب أعود أحياناً الى مشاهد ومواقف وأفكار سبق لي التطرق إليها، لكي أبلورها في شكل أفضل. لهذا التكرار وقعٌ يشبه وقع التنويم المغناطيسي، كاللازمة. لا أدرك الأمر عندما أكتب. أضف الى ذلك أنني لا أعيد قراءة أعمالي السابقة لأن هذا من شأنه أن يشلّني. في كلّ حال، من الصعب أن نتحلى بالوضوح حيال ما نكتب. وقد يكون التكرار نتيجة هجسي بمرحلة من حياتي لا تنفكّ تسكن رأسي.

VI

لم يتملكني يوماً الإحساس بأني أكتب روايات، بل بأنني أحلم بشذرات من الواقع، أحاول في ما بعد تجميعها بأفضل طريقة ممكنة في كتاب.

VII

عندما أكتب، أحلم بأني أكتسب القدرة على العودة الى ما كان، وعيش ما عشته في السابق مع “تحسينات”. لكأنني أصير قادرًا على اجتياز مرآة الوقت وتصحيح الماضي. لهذا السبب لا تنفكّ الشخصيات في أعمالي تحاول العودة الى ماضيها. ولكن عندما تكون الأمكنة قد اختفت، تختفي معها احتمالات العودة والتصحيح.

VIII

الشخصية نفسها تعود في أعمالي، من رواية الى أخرى، ولكن بطريقة شبحية. ليس لأنني أحبّ الكائنات الأثيرية، ولكن لأنها تشبه صورة قديمة تأكّلها العفن والنسيان. المشكلة الحقيقية هي النسيان، لا الذاكرة. يمكن أن نكون في مرحلة ما من حياتنا مقرّبين جداً من أحدهم، ولكن مع الوقت تتلاشى ملامح أساسية من هذا الشخص من ذاكرتنا، وتصبح متأكّلة. أنا مفتون ككاتب بشذرات النسيان هذه تحديداً.

IX

بدلاً من إخضاع الآخرين باستمرار لما يشبه التحقيق، بجدر بنا أن نقبلهم كما هم، بصمت.

X

ذاك الذي يكتب، يحتاج الى حماية المنطقة الغامضة، غير الشفّافة فيه. يحتاج الى عدم فهم ذاته في شكل كامل. أي إلى أن يظل في حال وسطى بين النوم واليقظة: إذا أيقظناه، نجازف بإلغاء ما يستفزّه على الكتابة.

XI

لا أحد يجيب أبداً عن الأسئلة التي تؤرقنا حقاً.

XII

من أكثر ما يحزنني، فكرة الأمور التي كان يمكن أن تكون، ولم تكن.

XIII

على كل جملة نكتبها، أن تكون نهائية وقاطعة. غالباً ما أدور نهاراً بأكمله حول جملة واحدة. أكتبها. أشطبها. أعيد كتابتها. لستُ ممّن يملكون سيولة في أقلامهم، والكتابة عمل شاقّ وصعب بالنسبة إليَّ، وإن كانت النتيجة توحي بالسهولة. ذلك أنني أحاول أن أقول الأشياء بأقلّ قدر ممكن من الكلمات.

XIV

مهما فعلنا، لن نعرف يوماً الهناء والراحة اللذين تتمتع بهما الأشياء الجامدة. مكتوبٌ علينا أن نظلّ نمشي حتى نهاية الرمال المتحركة.

XV

هناك كائنات غامضة، هي هي لا تتغيّر، تقف كحرّاس على كل منعطف من منعطفات حياتنا.

XVI

لا أكتب لكي أتحدث عني ولا لكي أحاول أن أفهم نفسي، أفضل وأعمق. ليست عندي أيّ رغبة في استكشاف ذاتي.

XVI

لكي نجعل من حياتنا عملاً أدبياً، علينا بكل بساطة أن نحلمها: كمثل حلم تلتبس فيه الذاكرة مع الخيال حتى تختفي الفواصل والحدود بينهما.

XVII

أكتب كمن يقود سيارة في الضباب.

XVIII

ينبغي لنا أن نحذر أولئك الذين يسمّون أنفسهم “شهودًا”.

XIX

كم يكون غريباً وجميلاً لو يؤتى للأطفال أن يتعرفوا الى والدَيهم قبل ولادتهم، أي عندما لم يكونوا والدين بل فقط نفسيهما.

XX

مادتي الروائية ليست مادة تخيّلية حقاً. إنها واقع تعاد زيارته عبر الأزمنة، وينهشه النسيان. النسيان يمنح الأمور جانبا سورياليًا وحلميًا. أحاول أن ألتقط أصغر التفاصيل وأبسطها لكي أصنع منها رواية.

XXX

إذا التقط أحدهم صورة شعاعية لرأسي، فسوف يجد أنها تعجّ بالقصائد. أحيانًا يفلت بعضها من غير قصد: بيتٌ من هنا، مقطعٌ من هناك. ألا يقولون إن الشاعر الفاشل مشروع روائي؟

XL

هناك حلمٌ يراودني دائمًا: أحلم بأنني ما عدت في حاجة الى الكتابة، وبأنني بتُّ أخيرًا “حرًّا”. لكنني، للأسف، لم أتحرر بعد. لا يزال عليَّ أن أحرث الأرض نفسها، وعندي حدس بأنني لن أنتهي من ذلك قريبًا.

L

سوف أظل أكتب لكي أسامح نفسي على ما كتبته في السابق. كل كتاب اعتذار من الذي سبقه، وحجة لكتابة الذي يليه.

LX

كلما كانت الأشياء غامضة وغير قابلة للفهم، ازداد انجذابي إليها. لا بل إني أحاول أحيانًا أن أجد الغموض في أمور تفتقر تمامًا إليه.

LXX

لا يمكن للمرء أن يكون مهذبًا بالتمام مع ذاته، وقد يكون من الرائق أن ينسى المرء أو يمحو أشياء من حياته الشخصية، جميع أنواع النسيان.

LXXX

يصعب على المرء أن يكون المشاهد الشخصي لذاته: يتعذر عليه أن يسمع وقع صوته وأن يرى من خلفه. من هنا فإن المرء مرغم على أن يكشف عن ذاته.

XC

الأغبياء هم الذين ينتظرون تحت الشمس أو تحت كشافات الضوء القوية، ولم يتعلّموا بعد النظرَ في الظلام.

XCIX

عشتُ طفولةً مزرية وغريبة للغاية، وغالباً ما كنتُ أشعر بأن والديّ كانا يحاولان “التخلّص” مني، لأنهما كانا ينقلانني من مكان الى آخر باستمرار، ويتركانني في عهدة أقارب وأصدقاء. لعل هذا الماضي المفكك هو أحد محرّكات الكتابة عندي، وخصوصاً في ما يتعلق بلعبة النسيان والذاكرة. أحاول بإصرار أن أتذكر ما يحاول جزء مني أن ينساه لكي يواصل الحياة. أكتب كمن ينتقم من ماضيه بدلاً من أن ينتقم له.

عدد المشاهدات : 1080

 

Tags: , , ,

 

شارك مع أصدقائك

Comments are closed.