جورج بيريك

جورج بيريك

مدير التحرير

لن تحطّم الحلقة المسحورة للعزلة. أنت وحيد ولا تعرف أحدًا، لا تعرف أحدًا وأنت وحيدٌ، ترى الآخرين يتلاصقون دبقين، يتحاضنون، يحمي بعضهم بعضًا، يلف بعضهم بعضًا، لكنك لست –وأنت ميت النظرة– سوى شبح شفاف، مجذوم بلون الجدار، طيف اكتمل رجوعه إلى التراب، ساحة محتلة لا يقترب منها أحد.

***

 

ما يثير انفعالك، ما يخيفك، لكنه أحيانًا يهيجك، ليس الطابع المباغت لتحولك، إنما هو تحديدًا الشعور الغامض والشديد الوطأة، أنك لا تعيش تحولًا، أن شيئًا لم يتغير. أنك كنت هكذا على الدوام، حتى إن لم تعلم هذا حتى اليوم. ذاك في المرآة المشقوقة ليس وجهك الجديد، إنما الأقنعة التي تهاوت، حجرتك جعلتها تنصهر، الخمول جعلها تسيخ، أقنعة الطريق القويم، الأفكار اليقينية الجميلة.

***

 

مثل سجين. مثل مجنون في زنزانته. مثل جرد في المتاهة يبحث عن المخرج. تعبر باريس في جميع الاتجاهات. مثل جوعان، مثل ساعٍ حامل لرسالة دون عنوان.

***

 

في بادئ الأمر لا غير نوع من التعب، من الإرهاق، كأنما تنتبه فجأة أنك، منذ فترة طويلة جدًا، منذ ساعات عديدة فريسة، وعكة مراوغة، مخدرة، تكاد تكون دون أي وجع، و رغم ذلك فهي لا تحتمل، ذلك الانطباع المفرط العذوبة والخانق، الانطباع بأنك دون عضلات و دون عظام، بأنك كيس من الجبس، في قلب أكياس من الجبس.
***

 

المأساة لم تنقض عليك، لم تقع عليك. لقد تغلغلت على مهل، انسلت تقريبًا بعذوبة لذيذة. لقد دفعت دفعًا دقيقًا حياتك، حركاتك، ساعاتك، حجرتك، مثل حقيقة تقنعت فترة طويلة.

***

 

لم تتعلم شيئًا، إلا ما كان من أن العزلة لا تعلّم شيئًا. من أن اللامبالاة لا تعلّم شيئًا: كانت خدعة مراوغة، وهما آسرًا ومفخخًا. كنت وحيدًا، وهذا كل شيء فكنت تريد حماية نفسك؛ أن تنقطع الجسور بينك وبين العالم إلى الأبد. لكنك ضئيل الشأن جدًا والعالم كلمة كبيرة جدًا: لم تفعل ابدًا أي شيء سوى أنك تشردت في مدينة كبيرة.

***

 

إنه في مثل هذا اليوم، بُعيد ذلك بقليل، قُبيل ذلك بقليل، حين اكتشفت دون أن تفاجأ أن شيئًا ما، لا يسير على ما يرام، وأنّك كي تتحدث دون حذر لا تعرف كيف تعيش، وأنك لن تعرف أبدًا.

***

 

على مرّ الساعات، الأيام، الأسابيع، الفصول، تنفض يدك من كل شيء، تنفصل عن كل شيء. تكتشف تقريبًا، أحيانًا، بما يشبه الثمل، أنك حرّ. أن لا شيء يثقل عليك، لا ميلًا و لا نفورًا. تكتشف، في هذه الحياة غير المتآكلة و الخالية من كل ارتعاش -ما عدا تلك اللحظات المعلقة التي يوفرها لك ورق اللعب أو بعض أصوات الضجيج- بعض المشاهد التي تقدمها لنفسك، سعادة تكاد تكون تافهة، آسرة، أحيانًا مشحونة بانفعالات جديدة. تعيش راحة كاملة، أنت، في كل لحظه محفوظ، محمي. تعيش داخل هامش سعيد، داخل فراغ عامر بالوعود و لا تتوقع منه شيئًا. أنت غير مرئي، صافٍ، شفاف. لم تعد موجودًا، تلاحق ساعات، تلاحق أيامًا، مرور الفصول، جريان الزمن، أنت مستمر على قيد الحياة، دون بهجه و دون حزن، دون مستقبل و دون ماض، هكذا ببساطة، بوضوحٍ, مثل قطرة ماء بلورية، تنعقد في صنبور خزان على مصطبة سلّم.

***

 

لا تعود من بعد ذلك سوى عين. عين هائلة وثابتة، ترى كل شيء، على حد سواء جسمك المتراخي، وأنت. منظورًا وناظرًا. كما لو أنها انقلبت كليّا في محجرها، وأنها تتأملك دون أن تقول لك شيئًا. أنت، داخلك أنت. الداخل الأسود، الفارغ، المخضرّ، المذعور، العاجز. داخلك أنت، يراقبك ويثبتك بالمسامير.

***

 

لن تكف أبدًا عن رؤية نفسك. لا تستطيع القيام بشيء، لا تستطيع الفرار بنفسك، لا تستطيع الفرار من نظرتك، لن تستطيع أبدًا، حتى لو تمكنت من النوم ِبعمقٍ كبير حتى لا يمكن لأي هزة، لأي نداء، لأي حرق إيقاظك، تظل ماتزال تلك العين، عينك، التي لن تنغلق أبدًا، التي لن تنام أبدًا.

***

 

ترى نفسك، ترى نفسك بأنك ترى نفسك. تراقب نفسك أنك تراقب نفسك. حتى لو استيقظت، تظل رؤيتك هي نفسها، دون تغيير. حتى لو تمكنت أن تضيف لنفسك آلاف، مليارات الأجفان، تظل أيضًا، من الخلف، تلك العين، كي تراك. أنت غير نائم، لكن النوم لن يأتي بعد تلك اللحظة. أنت غير مستيقظ ولن تستيقظ أبدًا. أنت غير ميت وحتى الموت لن يستطيع تخليصك.

***

 

لم تعش كثيرًا، و مع ذلك، ها قد قيل كل شيء. ها قد انتهى. عمرك ليس إلا خمسة و عشرين عامًا، و لكن طريقك ارتسم بأكمله.

***

 

لهذا بالذات تفتنك الشجرة. أو تذهلك أو تريحك. بسبب هذا الوضوح الذي لا شبهة فيه، ولا يمكن أن يكون موضع شبهة. وضوح اللحاء والأغصان والأوراق.
***

 

لقد توقفت عن الكلام، والصمت وحده الذي جاوبك. لكن تلك الكلمات، آلاف، ملايين الكلمات، تلك التي توقفت في حلقك. الكلمات التي لا تكملة لها. صرخات الفرح. كلمات الحب. الضحكات البلهاء. متى تستعيدها؟

***

 

شيء ما يتكسر. شيء ما قد تكسر. لم تعد تشعر بأنك -كيف تقولها- متماسك. شيء ما، فيما كان يبدو لك -فيما يبدو لك- كان حتى حينه قد طمأنك. أشعرك بالدفء في القلب. الشعور بوجودك، تقريبًا بأهميتك، الانطباع بالارتباط، بالاستغراق في العالم، قد بدأ يتملّص منك.
***

 

أنت وحيد. تتعلم أن تمشي كرجلٍ وحيد. أن تتسكّع، أن تجرّ قدميك، أن ترى دون أن تنظر. أن تنظر دون أن ترى. تتعلم الشفافية، الهمود، عدم الوجود. تتعلم أن تكون طيفًا، و أن تنظر للناس كما لو كانوا حجارة.

 

عدد المشاهدات : 2258

 
 

شارك مع أصدقائك

Comments are closed.