حريق في مزارع الديكتاتور

حريق في مزارع الديكتاتور

ريم الفضلي

إلى روح المهندس خالد النزهة، مَن حلّق إلى الحرية مبكرًا

***

لا تنظر إلى النّصف الممتلئ من الكأس، انظرْ بتفجّع إلى النصف الفارغ من الميزانية. لا تمعن في أغاني فيروز الساعة السادسة صباحا، العصافير تنام مبكرًا، ولديك موعد طويل مع موّالات الحزن بعد حلول الظلمة. 

“سكابى يا دموع العين سكابى”. حَسم في الزنزانة. أبو بلال ومحمد القحطاني في الزنزانة، الشيخ الرشودي في الزنزانة، عبدالرحمن الحامد وعمر السعيد في الزنزانة، وليد أبو الخير ومحمد البجادي في الزنزانة. صالح العشوان وفوزان الحربي في الزنزانة. لا يوجد طريقة لشرح مأساوية الأمر، الوطن في الزنزانة. كانوا أحرارا، يريدون للوطن أن يسير بعدل وبمساواة، لا أن يتسكع بالسرقة والفساد. عبدالكريم الخضر، الذي نفث العاصفة في ترهل الإفتاء الحكومي، وأفتى بوجوب المظاهرات والاعتصامات، موجود بالزنزانة، لم ينبس كافيا الوطن من أجله، لم ينمُ لسنّ التظاهر بعد.

والوطن الذي كان في لحظة أبدية، قارب أن ينحني للحرية، أن يتوحد لها، استطاع أن يتملّص، فوقف، وقفتْ معه أواصر الظلم والادّعاء والتزلّف والمصالح. كل اللحظات الشامخة التي شهدناها، لخطاب حقوقيّ موحد، تبددت إلى شواهد كابية، من الذين آثروا السلامة، ورضوا بالواقع، بالاستسلام لحزم الهواء، الهاب ضجيجا من الصحيفة. الشواهد العريضة، تضحك وتسخر، من هؤلاء الأعراب الذين فكروا مرة بحلّ الديمقراطية.

إزاء الرخص والإسفاف الآن، هناك منهجان متوازيان، الانخراط بالمجال العام، أو الرقود عن هذا العالم، حياكة لعالمك الخاص. يذهب الأولون إلى خط الدفاع الأول، لإشهار “لا” كالحريق في مزارع الديكتاتور، المحاط بصنوف التبجيل والطاعة، مالك الحياة والمستقبل والوظيفة وفرص الإنجاب. يذهب الثانون إلى غرفهم واستراحاتهم، لا يلوون على شأن ولا شأو، من يرون العالم مدبغا، ويعترفون أنهم لا يملكون خرقة جيدة ولا منظف إعجازي، لزيفه وجبروته.

بالتالي، الشرائع السماوية والثورات التغييرية، وجميع جهود المصلحين والفلاسفة والدارسين والنفسيّين والأدباء، بحثت عن المخرج، لتهذيب الإنسان، لكفّ شره، لإخراج أجمل ما فيه، كلهم، لم يُعط الخلطة والإجابة الواحدة. خلطة “بياض الثلج” رغم ذيوعها، لم تقلب أي مستخدمة لها لإنسان أبيض تمامًا. الإجابة تغيب. لكن الأسئلة تخلد بعناد النّدبة. لا ترضَ بالحياة الحالية الراكدة: غياب المجتمع المدني، والفنون والمسارح، والانتخابات والمظاهرات والإضراب ،والجمعيات والنقابات، والإعلام الحر، وشحّ الأماكن العامة والحدائق والمكتبات، والهيئة والمواكب، والروتين والفتور والقبح والاسمنت والسواتر، والزحام والحفريات والقيادة السيئة، والعباءة السوداء.

أنْ يكون تويتر وفيسبوك وباث وانستغرام حيّا وفاعلا، لا يعني أنك تعيش بمجتمع ودولة كذلك. المجتمع البديل جيد، لكن أين المجتمع الأصلي، الذي أفرز كل هذا. من جعلنا أصنام تحدق بهواتفها الذكية لمعظم اليوم، لكل الملل؟ صوتك غائب ومباع من عقود للصدى الخائب، الذي لم يعدْ يوما بما يشبه أمانيك. يتوقف النشاط المدني من لحظة الخروج من المدرسة، بعد جمعية النظام، جماعة المصلى، جماعة النظافة، وجماعة الإذاعة، يصاب مفهوم الجماعات بالشلل، وتخرج إلى الوطن، بلا سبيل إلى جمعية مدنية تماما، حرة تماما، تدعو لها من تشاء، من غير أذونات الحكومة، وتقنينات الداخلية. قد تحاسب، قد تفصل من عملك الحكومي، في حال توقيع البيانات والانضمام إلى الجمعيات المستقلة. تهددك الدولة دائما بالجلوس وحيدا.

الخطط التنموية لم تأت بجديد. كل ما كبرنا عليه، كان أحاديث من نهضة الوطن المنتظرة، ومنافسته للعالم على أصعدة متعددة. لم ينافس الوطن أحد، سوى الدول الناعسة في أواخر القوائم. أن يكون هناك مترو لأول مرة بعاصمة، قطار حديث بين عدة مدن، وعدة أبراج جميلة، يمر بها المواطن العادي كنزهة مع أبنائه، لا تشكل فرقا بحياته، وأن يكون هناك توسعة هائلة، كل هذا لا يغير شيئا، دام أننا مازلنا أمام السلوك البوليسي الأكبر نحو المواطن السلمي: الاعتقال التعسفي.

الاعتقال التعسفي، النقطة الموضوعة على آخر حياة التضحية. في الحقيقة نعّمت التنمية الاعتقال التعسفي، كان دائما زوّارا من الذين يقلبون بيتك محين الفجر. تغيّر الأمر بعض الشيء، مذكرة استدعاء، مدعي عام، اعتقال مؤقت، إفراج، السماح بمحامي، السماح بالمحاكمة، لكن من يستطيع الترافع أمام تهم الافتئات على الدولة وتشويه سمعتها. لم ينجُ أحد. الحاير يفتح ذراعية الكريمة بترحاب. يجب أن تتذكر، كما وعكة، أن أي خروج لمعتقل، لم يكن نتاج حراك سلمي. انتهاء محكومية، أو عفو ملكي، أو أي ذل آخر. في الحقيقة، كانت فترة راكدة أخرى في عارنا، في سكوتنا، في مللنا.

حقيقة أن سعود الهاشمي وصحبه بالسجن، حتى الآن لعام ثامن، هي عار علينا جميعا، أعرف وتعرف أن العار يلحقنا لأسباب كثيرة، منذ دهور ونحن نقول إنه لمن العار علينا أن كذا. الحديث عن العار، سيأخذنا حتى طلوع الشمس، وأنت لا تود أن يبزغ الصبح داكنا، طالما أن ما زلنا نحدو حزنًا بليْل القافلة. العار الذي يلحقنا من دكتور سعود، هو عار أسود، عار جبان. كالصدمة هذه السنون التي مضت، النعامة لم تفعل شيئا، وترخي عنقها الطويل الشامخ، داسة رأسها بالتراب. كم يلزمنا الآن من تطهر. لا يؤلم المعتقل السجن، يؤلمه النسيان، ذلك أن السجن مبنٍ لخلق القطيعة، للعقاب بالإخفاء.

تصبّح ماريا بشكل أبدي على معتقلي بلادي، كل معتقلي بلادي. لكن الوطن لا يستجيب بصبح الحرية، فلا تصل للوطن أجمع، لكنها تصل نسيما للأحرار. تتذكر بإيمان صباح الذين في الزنزانة، لأنهم مؤمنون بعقار الحرية للوطن. ماريا وفية، كذكرى جميلة، لكن أكثرنا نتذرع بالانشغال، باختلاق المواعيد. صباح الخير لتذكّرات ماريا، والحرية لا تطرق الأبواب بالمواعيد. مساء العار على من لم يمسك بقبضتها. على من فرط بمن لهجوا بها، على صَحابة الحرية، الذين الآن في زنازين متفرقة، في عنابر مختلفة، الذين لا بد أن واحدا منهم يذرع زنزانته جيئة وذهابا، ويفكر بنا، ولا يملك يقينا، لأنه على الأرجح مغيب عن الحاضر، ممنوع من المشاركة به، لأنه ماضيه كان ناصعا. ويفكر بنا، ويذرع الزنزانة، ويتقلب في الفكرة الألم: هل كانت الريح مواتية للتضحية.

تخيل أننا أقلّ بكثير من سجين يودّ الحرية لنا، بأن يرضى الذهاب لما يقيد حريته، لغرفة بباب صغير، ونسيج حديدي، وكاميرات مراقبة، وجندي آمر، ووجبات سيئة الطعم. يحق لحرّ أن يقول لقد كنتم أوغادا ولم تستحقوا تعبي. لكن لا يحق لمتكئ أن ينبسها. أن يقول بملء جبنه: هذا الشعب لا يستحق التضحية. قائلها وحده، مَن لا يستحق التضحية، لأنه لا يستطيعها، وهو التضحية الخاسرة لسجل طويل من الذين رفعوا شعلتها.

مَن ينظرون للتضحية بنجومية، كموسم حافل، كما لو أنها حلقة ساخنة من مسلسل. التضحية سعي حثيث للتغيير، للتغير الذي لم يكن يوما على نار حارقة، التغيير المستمر، التغيير الدائم، التغيير الذي لا يُعرقل بالخيانات الصغيرة، من الذين يقولون شعب لا يستحق التضحية، ولا يفكرون بأي تضحية، وهم أجبن منها، عند المقام الأول. الذين جربوا الرفض مرة، وانتشوا بإشهار “لا” في وجه السلطة. وبعد مضي الوقت، وجدوا أن “نعم” أسهل وأيسر للصعود والتنقل والنوم الجيد والوصول للضوء.

لا تعول على رمز. الرمز يسير في اتجاه خانة: ما الشائع الآن؟ الرمز يركب الموجة، نادرا ما يصنعها، يسرقها من نافثي جذوتها. الرمز يُؤسلمك، يُسعودك عنوةً، يخلق لك الركن السادس.

الدعوة للابتسام والتفاؤل ضحك على الدقون والغرر، تصبيحة الشيخ بسطرين عن الصباح السعيد تضيع الخطة. لا يجب أن تكون سعيدا بعمق، كفكرة، كن سعيدا كهارب من فكرة الدرك، متسكعا على مشاعر السعادة، لا داعيا إليها، السعادة فكرة استهلاكية عن وضع لا أحد يعرف عن الشكل الذي يكون عليه السعيد؟ ضاحكا، مهبولا؟ شبعانا؟ نعسانا؟. الشيخ الذي يملك قصرا وسيارة وعدة زوجات، ويرتاد قصر الأمير براحة ضمير، من حقه أن يكون سعيدا، يجب أن يكون. لا يملك حق التبشير بالسعادة لمن يصبح على أنبوب صرف صحي نتن أمام عتبته. ما يضجر بالوطن، ليس تهالكه، ما يقرح الكبد هو زيفه. أكبر نافورة، من كنا نعدها جمالا وحلما، هي ثمة زينة بفناء قصرٍ حالم.

لا تنتظر نبيّا ليرمّم الأمر. اِنتظرِ الناس، اِنتظر الشعب. بيان وروان وأسامة ونجلاء ومرام ووليد ورنا ونايف وهديل ومصعب ونورا ويزيد وغادة وفيصل. الناس الذين لهم ملامحنا وهمومنا وتقاطيع قلوبنا، بالهائلين، الممسوسين بقضية عادلة، من قال لهم المنهج: وطنية، فقالوا: الحريّة أولا. “والله أعلق وأصفق”. مَن آمنوا أن الأوطان إن لم تقرأ عليها أبجديات المعرفة والإنسان، سيأتي الكهنة واللصوص لحدها على العبودية والطغيان. الذين لم يجدوا في أنفسهم، لو مرة، تبجيلا وإيمانا، بالطارئين على السلطة، المارين عليها من أي صوب، نحو أي طريقة وسياسة. من لم ينساقوا لرخص المديح أبدا، بالبلاد التي تقوم كما قصيدة مديح قديمة. لأنهم يعرفون أنهم لم يبذلوا الكافي بعد في الشتم والنقض.

حسم، وكل سجناء الرأي الأبطال، نحن آسفون بشدة، لا أعرف متى ستضيئون بيننا، يبدو أن رمضان هذا سينطفئ مجددا دونكم. لا أعرف كم يجب أن نحترق من أجلكم. لكننا وعد تضحياتكم، وجذوة ذلك الذي لا يهدأ في جنانكم. ستكون حرية، سيكون سلاما، سيكون عدلا.

عدد المشاهدات : 4329

 
 

شارك مع أصدقائك

Comments are closed.