رحيلٌ لا يرحل

رحيلٌ لا يرحل

ريم الفضلي

يرحل الآباء، يرحلون بكثرة. يرحلون في نشرة الأخبار، في أخبار الأصدقاء، في الحروب، في محاولات النجاة، في الحوادث، في أسرّة المرض. وأنت تريد أن تتوقف المأساة، أن لا يتكرر الحزن الأسود، الحزن الذي تعرفه، ورأيته نحيبًا، يتسلق حيطان الأعمار، طويلها وقصيرها. وفي كل غياب، تعرف أن هناك طفلا سيسأل المجرة: أين أبي، ولن يجود كل هذا الاتساع بإجابة، لن تمتد يد الأب الكبيرة الطويلة مرة أخرى، لن تمسّد الأمر.

فيحلّ اليُتم، سِوى اليتم في منشور خيري، وسعر كفالته الزهيد؛ اليتم التي تشرحه اللغة، وتقوله كمزحة قاسية، تبتلع كل شيء. “يتمَ إلى شيء”، أي في حاجة. “واليتم الإبطاء”، قالتِ العرب، فكان اليتيم يتيمًا، لتأخّر البرّ عنه، وفي قسوة اللغة، وأبدية الحزن، يصرّ أبو سعيد أن يقال للمرأة يتيمة، “لا يزول عنها اسمُ اليُتْمِ أَبدًا”.

الأب قضيتك. الأب انتباهك الحالي. الأب ما تفقد. الأب ما تشاهد في كل الأفق. ووحده ما يغيب. الأب الحلو جدًا، فلتَّ يديك بدون قصد، الأب الذي كان سيرفض زعم أبي سعيد. تسامحه الآن. بدأتَ تفعل. بدأتَ تعقل أنه لا أب من الممكن أن يفعل ذلك، إنما الصروف والظروف والأقدار وغدر الزمان، الآباء فكرة منذورة لأن تشبه المظلة، تشبه المقصورة، تشبه الزجاج الحامي من الرصاص، لو حدث سوى ذلك، فكان أمرا أثقل من أكتافهم القوية، وسواعدهم الرحبة، والخطة التي رسموها جيدا قبل النوم، لليوم التالي.

الجميع يتغرّب. الجميع يتغربل. إنما تغرّبك وتغربلك، بلا أب يربّت على كتفك، يبتسم لقلبك، ويبادلك دائمًا صفو عمره، ويخبطك أحيانا، إنما لتخطوَ أكثر. لا أب فحسب. فيتصبب الملح من حياتك، كثيرًا، كأنما الله اختارك بحرًا، واختار فقيدك محارًا نفيسًا، في أباعد الأعماق. وتمضي، لأن قلبك الذي ظننته مرة سيتوقف من الكمد، لم يتوقف، وتمضي، لأن حلم أبيك كان أن تشق عباب الحياة، أن لا تجلس يدًا على خد، وتندب حظك المائل، سيغضب من كان يريدكم عباقرة، تود أن تخبره أنك ستعيش بشكل جيد، إنما أكثر.

وأبوك الحنون، لم يغب تمامًا، ما زال يتعهدك في غيابه. في الرابعة عصرًا، في نهاية يوم ثقيل، مد سائق تاكسي لك إصبع “توفي”. التوفي الحمراء نفسها. لم تصدق أنه يعنيها لك، لولا أنك وحدك، لم تصدق أنها التوفي نفسها. وكم كان هذا فعلا يشبه والدك. الذي كان آخر من ناولك توفي، قبل سنين طويلة، عندما كنت تجري له كل ما عاد من نهار طويل، ليخرج لك توفي من جيبه، الذي قال لك يوما “ما كبّرك غير التوفي”. وابتسمتَ لوالدك. ابتسامة انزلقت للطريق والإشارات والزحام والانتظار والحيوات القادمة.

والدك نفسه من حين كنت تسحب الحقائب الثقيلة وحدك، وتفكر بلا جدوى الناظرين، نهرهم، وقال فتاتي!، فتدخلت ساعد طيبة، لإحكام وقوف الحقائب، ووقفتك، وكنت تشعر بوالدك في المكان، وفي الابتسامات التي حظيت بها، حين كان كل ما ينقصك تواصل صغير، يشعل فتيل الأنس، في توحد الساعات الطويلة. والدك نفسه، الذي جعل الرجل الطيب، يناديك يا بنتي، أن يقول لك تكرارًا: أنا مثل أبيك، وكنت تعرف أنه أب آخر تمامًا، إنما والدك ظهر في تقاسيم وجهه، في الخطوط الدقيقة للعمر الدؤوب، في نبرة صوته وإصراره، وكان عزاءً، أبوك في أب آخر، ولو لبرهة من الوقت، قبيلة الحنان واحدة حين تنسكب. الغياب كريم أحيانا، والدك يغيب، إنما في مرجه الأخضر، تحل عليك ألطافه الصغيرة، التي تشبه ربيع أيامه الحلوة.

وحين يغيب والدك، تتورط بطريقة الحكي عنه، وتقع في مأزق الماضي والمضارع، هل تقول “أبوي”. أم “كان أبوي”. أو تجعل الأمر واضحًا، كندبة: “كان أبوي الله يرحمه”. وهذه صيغة طويلة للحداد، أمام الغرباء، فتتعلم المراوغة، أن تقول، وأن لا تقول، وأن لا تحصل على الشفقة في أي محصلة، فتتعلم النسبية، ومراوغة الحقائق لبعض الوقت، أن تجعل الأمر طبيعيًا، ما لم تخاتلك الأسئلة الصعبة، “كيف الوالد؟”، فتتكشف أستارك، أنت نفسك لا تعرف: الوالد بخير، في حياة أخرى، كل العشم أنها أجمل من حياتنا وأعدل، تقول لنفسك كلما فكرت بالأبدية.

في الروايات الرديئة يعود البطل من الموت، تفصيل صغير يصنع حيلة لعودته، عودة كبيرة. تقلب الموازين، يشهق لها القرّاء، تبكي لها الصبايا. لقد رجوتَ بسريةٍ هذا. لقد استرجعت حوادث الصحف الصفراء عن الذين قاموا من المقبرة، زلّ المشفى في تقدير حياتهم. ولم يحدث أي من هذا. كأنما فقيدك بطل لهيجو في الفصل الأخير، يموت فجأة، بلا عودة، بلا مقدمات، بلا بارقة أمل، بتراجيدية محطمة للروح. لقد حتم الأمر.

تمسي حياتك مشروع دمعة كبيرة، آيلة للسقوط بأي لحظة، فوق رؤوس آهليها. لم تقل له وداعا، والتوت ساعدك من كثر من ودعت بعده. لقد كانت الخطة أن تقول مرحبا أنا جئت فجأة. فلم تجده، وجدت الغياب والصدى وخياله. كنت تبحث ووالدتك عن حقيبة صغيرة، وتعثرتما بطاقيته، مطوية على المنضدة، نزعها منذ أيام فحسب، فأخذتما تستنشقانها، بحنين هائل، كانت هناك رائحته الفريدة، بدأتما تتلقفانها من أيدي بعضكما، كنتما تخافان أن تقضي إحداكما على أحيى ما تبقى منه، كأنما لا تصدقان كل هذا الحضور والغياب في آن، وتتنهدان، كدتما أن تموتا من التنهد، لولا أن استعاذت أمك. وعطرك الهدية له لم ينته منه بعد. بقي نصفه على المنضدة جانب منامه. أخذته بالحزن الكافي لحرق حديقة أزهار، وضعته بخزانة علوية لك. ستخبر كل الظلام والأسى والخيبات والغيوم الداكنة، أن والدك رحل قبل أن ينهي قنينة عطرك.

وبدأت تتعلم أن تجده، أن تتبعه، في تلافيف الحكايا والذكريات، أن تتلقفه في بواقيه، أن تعيد المشهد، المرة تلو المرة، ليثبت، ليأفل ما سواه. وبدأت تينع حياتك دونه، حياتك التي كانت غرسه، أسرارها، التي وشوشها أذنك، خبرتها، التي كانت مدرسته. وبدأت تكبر، وتطول في الدروب، وتطول بك. لبست ثوب تخرج، لم يحضره، ولم ترسل له صورتك، وغاب اتصاله، وغاب عنك أن تشهد فرحته، وأن تكون فخرًا صغيرًا في سجلّه، ها أنت تتوظف، يكون لك دخلك الخاص أخيرا، ستتوقف عن سرقة أمواله، كنت ستخبره بسرور بهذا، كان سيمازحك بمحين إرجاع الديون، كنت ستتملص من كل شيء، كان سيكون حوارًا ضاحكًا واعدًا. ومن حين غيابه عن مشاهد حياتك، يتقلص الفرح قبل أن يولد، غاب من كان سيكون لعينيه كل هذا.

غاب. لم تنو التلفّع بالسواد، ولا أن تتحول لبومة، لكنها إصابة انحناء بظهر الحضور. غاب كثيرًا، تأكد الأمر، لم يعد يشبه أمانيك، ولا تهيؤات أمك، أنه من فتح الباب، بعد كل هذه الأشهر الغزيرة. غاب. تعرف ذلك السموات السبع والأرضون، تعرف ذلك كل أسطح المياه الغادرة. غاب، وأنت تبحث، وأنت ما زلت تنادي، توجه له الرسائل من قلبك، إلى روحه الطيبة، تحفظ قلبك من الاعتياد، تشاهد غرسه؛ شجرة بيلسان جلبها من سفوح جبال بعيدة، وكتاب ما زال مقلوبا على الصفحة التي تركها. تظل تقتات، تلمس أشياء تعرف أن يديه مرت عليها منذ زمن ليس بالبعيد. وتفرك يديك، تتذكر طعم الدفء الأبدي في تلك الكفين، وللأيادي ذاكرة، لا تنسيها كل تشققات الأيام الكدرة.

يغيب، إلا من تذكّرات الأوفياء، من ذاكرة الأطفال الذين ما زلوا يقولون “بابا”، من الحديث الباكي مرة، الغاضب قليلا، والفرح أحيانًا، عن كل الفرح في شخصه الحلو، شخصه السارّ، الذي تجمعونه بتفرد، حكايةً حكاية.

غاب، إلا قليلا، في تلويحة بالحلم، وفي ملامح صغاره. غاب، إنما ليعلُ في شهداء السماء الخضر. غاب، وتمسك بقلبك خشيةَ التفتت.

عدد المشاهدات : 828

 
 

شارك مع أصدقائك

Comments are closed.