قِفا نبكِ على جدار الوطن

قِفا نبكِ على جدار الوطن

ريم الفضلي

أخي جاوز الفاسدون المدى، فحٌقَّ الجهاد وحقّ الفدا. أمزح أمزح. ألا يمكن المزاح في هذا القيظ. حقّ أن لا تفعل أي شيء، الحكومة من أمامنا، والمباحث من ورائنا، أنتركهم يخطفون أنفسنا؟ تراب مستقبلنا، على أرض الوطن. أخي، نحن شلة مواطنين معطلين، نحب الكلام، والقليل من الضحك. “يضحك ليا صكت عليه المغاليب”. لا نعطل التنمية، نقسم أننا لم نفعل، لا نمد عصياننا أثناء دوران عجلة التنمية، حاول البعض الإشارة إلى خاطفي العجلة من الأساس، لم تكن إشارتهم محبذة، هم وإشارتهم ذهبوا وراء الشمس. هل “تقوى الهجر؟”. ما الذي تبقّى مما تعوّل عليه؟

لقد سئمنا من التكرار. السأم الذي يلاحق ترديد ألف باء الإنسان الكريم: حرّية، كرامة، عدالة، مجتمع مدني، مشاركة سياسية. الكلام، مجرد الكلام، فعل مخيف في الأنظمة القمعية، لا يبدأ الأمر بفلترة حديثك، ما تقول وما لا، ينتهي الأمر فيك إلى هاجس، إلى قلق مزمن، من ركوبك المطبّ، من تفسير مقاصدك لأشكال عديدة، أشكال مبكية لوالدتك. ماذا تريد من الحياة؟ يالله السلامة. حياة صغيرة، مقتضبة، لإنسان يتيح له الكون أن يكون كبيرًا، مُغيّرا. ثم لا يفعل أي شيء، وتكبّل إرادته، لأجل عيون كم شخص بالسلطة.

سأم يتكرر من مواطن يستجدي العلاج، مواطن عربي ابن أكرمين، الموت دون مدّ أيديهم، يشنون الغارات لرزقهم، يبكي حفيدهم في مقطع، يرجو كل أحد التدخل كيلا يموت طفله، أو يجد علاجًا لورمه. سأم الملف الأخضر، يدور به مسنّ مع ابنه في أروقة الوزارات، وظيفة لله يا محسنين. سأم المآسي الاجتماعية، الفقر المسكين للحارات الخلفية، للمدن البعيدة الموحشة، الحقوق المؤجلة لنسوة البلاد. طابور خابي اللون، حاجاته أطول منه، يصطف عند أمير الثراء الباهي. ثمة شيء بائس في البلاد، يجري عميقًا في عروقها. شيء دفين، يشي بالرتابة، بالاختيارات المسبقة، بالتشابه، بالقهر، بالمصير الغامض، بالقلق، أنت تعرف القصة القديمة، من انتصر وفرض رؤيته، ومن اندحر، ومن وما الذي قتل آنها، لقد ساد النموذج.

مرة إلى القسر على التدين، مرة إلى العدمية، مرة خذوا راتبين، مرة نقصّ رواتبكم، مرة الهيئة تطارد النسوة بالعصي، مرة النساء إلى المناصب العليا، مرة التطاول على الدعاة جريمة، مرة سجنهم أمن وطني، بين كل المرات، الشعب لم يصغ حلاله وحرامه بمعزل عن الحكومة ورموزها وأوليائها وبعيدًا عن عينها. من يريد أن يقيم فعالية لتكسير العود، ليقمها، من يريد إقامة مدرسة للعود، ليفعل. لكن الدولة سهلت بجزالة للأولى، وقد لا تفعل مجددًا، لكنها حتى الآن لا تسمح بشكل صريح للثانية. المجتمع لم يعط خياراته بشكل صحيح. لشاب متدين، كبر على بكاء الوعاظ في المسجل، وفي مدارس الحكومة. يتجرع الآن وجود المنكرات في بلاد الحرمين، وصراع الإسلام والليبرالية الكافرة على أرضها.

في كلّ، الشعب لم يصنع وعيه بشكل مستقل، لم يكن الاستقلال الفكري مذكورًا في أي خطاب، الرموز لم تعط حقها، الخطاب الذائع هو خطاب إعلاميي ورموز وكتاب ووعظة السلطة، أصدقاؤها الأوفياء. وفي ظل غياب روافد الفكر، ودوائر المعرفة المستقلة، ومنع النقابات، ومحدودية الجمعيات، مجددًا، التعويل على أي فكرة مطروحة من قبلهم خطر، إنها منهم وإليهم، دون المرور بقلب همومك. يقول أرسطو تكلم حتى أراك، أي يعرف عقلك. الكلام الذي يصدر الآن من علية القوم، المسفّ والسطحي، هو عقل الحُكم. هيّا نلطم أخي. عقلك هو كلامك. الكلام الآن يشبه صراع قبلي حول الزعامة، وشوية شعراء يبجّلون شيخ القبيلة بقصائد متشابهة، كلام ألفاظه السنافي والفناجين والمراقيب والعراقيب والنواميس، والنعم بالموروث البدوي، والنعم بجهود سعد الصويان، لكننا الآن نتكلم عن دول حديثة، دول.. دول.. هل تسمع زلزلة؟

الشعب لم يمكّن لصنع خططه الاقتصادية، لم يدمن النفط، الحكومة أدمنته، أدمنت النظام الريعي، الآن حين يوشك أن يتهاوى النظام الاقتصادي الهش، يصحو الوطن فجأة على خطة الدولة العظيمة للمستقبل: لا خطة. فلّها وربك يحلها. ثم يزج المواطن لأن يؤمن بعمق أن الخطة التي وضعها من فرّط بالبلد أولا، هي خلطة أم خالد السحرية، بشرة ساطعة بلا بثور. لم يكن الشعب أو إرادته أو طموحاته، مكوّنًا حاضرًا في السياسة الخارجية، الأصدقاء والأعداء والمصالح المشتركة أشياء مجهولة، تدار بعيدًا في الغرف المغلقة، تعتريها تقلّبات مواسم العام، وأمطار الأموال الغزيرة، التي يستذكرها الشعب بحسرة.

في حزام الدول التي يتشابه تاريخها، أساليب حكامها، طرق حكمها، مناهج قمعها، وتبديد ثرواتها. تتشابه مصائر شعوبهم، كما سحنهم. سعود العصفور في الكويت، ناصر بن غيث في الإمارات، يشبه وليد أبو الخير في السعودية، السعودي خلف بن مشعان، يذكرك بابن الذيب القطري، مسلم البراك الكويتي، كم يشبه عبدالله الحامد السعودي، لو تسنح الفرص ليشرِق. سجن العبيد القديم، سجن الحاير السعودي الجديد، أخ لسجن الرزين الإماراتي.

حرية لأبناء الجزيرة. الأصول الواحدة، المشتركات الواحدة، باختلاف باكيجات الرفاهية المقدمة، وكمية المخصصات لذوي الدم الأزرق، والشعوب التي تعرف، أن رزقها منحة حالية، لم تكن موجودة قبل عقود قليلة. التقدم والرفاهية إرادة، إرادة شخصية فقط من حاكم، حين لا يريد حاكم دولة مجاورة المضي قدمًا في سياسات التنمية، لا يتنحى، لا، إنه لا يفعل أخوي، بل ينحّي الشعب كاملا في سبيل أن لا ينبس سواه في الكون قاطب، لو كان له ذلك. إلى حاكم: واحد حبّة حرية لا تضر. واحد نفر معارضة غير هاربة إلى الخارج لا يقوّض حكمك، ولا يكسر القصائد في سمو ذاتك، يزيدها ربما.

الأحرار يصنعون استثناءاتهم، لحظاتهم الخالدة. الموقع شمال شرق، بكل المجد الحاصل، بكل اللهفة، لرجل كبير خرج من السجن، لسجين رأي خرج في الموعد المحدد، وحمل على الأكتاف، وزفّه الأحرار، ركض إليه الرجال، ابتدأت احتفالات استقباله قبل خروجه بأيام، خرج محمولا ليقول عاليا: “سيجسن التاريخ سجاني”، ثم قشعريرة. لقد سمعت السماء كلمته. ثم ارتوى معتقلون آخرون في العتمة، ثم فاضت الكلمة قليلا، نزلت بوادي غير ذي حرية، ارتوى عوسج، ومالت سدرة. “سيجسن التاريخ سجاني” إلى الظلمة، إلى المستبدين، إلى رواد البلاط، رواد الصور المركبة، والعبارات المكرورة من المقلط.

قال رجل قديم، يفيض أنفة وعزة: “لن يقيم على خسف يسام به، إلا الأذلان عَيْر الأهل والوتدُ”، أخي المتلمس الضبعي يبالغ، شعوب الآن تقيم على الخسف، يُلعب بمصائرها، وتُجرجر إلى قيامتها بالنواصي. “العِير” زانت أحوالها كثيرا، تصل لسعر مواطن بالراحة. “إن الهوان حمار القوم يعرفه، والحر ينكره والرسلة الأجدُ” يقول المتلمس الجاهلي، ابن أرضنا، الذي كان يمدح ملكا، ولما تجرأ مرة ليهجوه، أمر بقتله، ففرّ. لم يتغير شيء مذ ذلك الحين، قمع الرأي في شبه الجزيرة مستمر، ويتمدد. يتركنا المتلمّس بلا خيارات، يقرر الهجرة بعيدا، يجد “عن ولاة السوء مبتعدُ”.

محزن ترك الأرض للأوغاد، “ويلاه وين الصبر”، ماذا عن إفساد حفلتهم.. نحن الوطن، الوطن هو نحن. من يختزل الوطن في صورة، يستحق اللسع بسعف النخل. الوطن لا شيء بدوننا، تراب وصخور وعج وشموس مستعرة معظم العام، نحن شوارع الوطن، مشروعه، ماضيه ومستقبله، على أكتافنا جميعًا يجب أن يقف، دوننا له التعثر والسقوط، من دوننا الوطن عواصف رملية تسفع لا أحد، وأمطار باردة لا يتناقل بهجتها أحد، بدون روحنا الوطن لا شيء، خلاء كما معظمه، وإسمنت مسلّح كما مدنه، ستخلو كافتيريا القريات من مرتاديها، لن ينتظر افتتاح البيك أي أحد. لا بأس ولا يأس لحال أرضنا، تسف الريح الأقوام السابقين، بلا ندم. في الأخير لم يبق سوى هذه الأرض الفضاء، التي تغتسل بالشمس كل يوم، سيذهب الطغاة والظلمة، البقاء لنسل الطيبين، والمجد.

 

عدد المشاهدات : 534

 
 

شارك مع أصدقائك

One Comment

  1. على الأقل
    ثمة من يستمر في الكلام
    لأن الصمت يقتل أكثر
    أخي جاوز الظالمون المدى
    رائع و موجع ما قرأت هنا