لا شيء يبقى من الحكاية

لا شيء يبقى من الحكاية

رحمة الراوي

(1)

الجورب الوحيد

أشاهد قطرات الماء وهي تغادر الجورب المغسول للتوّ، كأنها تنزع عنها الخطى القديمة وسواد الحكاية، وبعد تلكؤ أقول: لقد رأيتُ حلمًا.

لكن الغرفة تظل متروكة للصمت، وصوتي وحده يسيء لتمام اللحظة: لقد رأيتُ حلمًا، سيئًا.

تظلّ أمي وقد أعادت للتو الملابس المنشورة على الحبال، ترتّبها لتضعها في الخزانة، تظل صامتة، دون أن تنظر إليّ، أقوم إلى النافذة وأشير للجورب الصغير: لمن هذا؟ تبدو القطرات.. غريبة!

ألتفت إليها لكنها تواصل عملها بهدوء، كأن صوتي لا يصلها، فأغادر الغرفة وأتّجه إلى الحديقة لأرى أبي، لقد كان يسمع صوتي دائماً حين أقول له بأنني رأيت حلماً، ليبدّد خوفي، لكن الحديقة خالية، وصامتة بطريقة مخيفة، لا ريح تحرّك أشجارها، ولا عصافير تلجأ للأغصان، فتحت الباب المؤدي للشارع، رأتني جارتنا صديقة أمي، واقتربت مني وهي تضع كفّها على كتفي برقّة، قلت لها: لقد رأيت حلماً سيئاً! لكنها لم تتكلم أيضا، ألا يسمعون صوتي؟ أمسكت كفي وجعلتني أسير جوارها وادخلتني البيت، ثم غادرت..

تمدّدت على سريري، فسقطت من تحت الوسادة صورةٌ صغيرة، حملتها وكانت لصغيري قبل عدة أشهر، فزعت، وقمت راكضة نحو النافذة مرّة أخرى، لقد كان هذا جوربه نفسه، ذهبت إلى الحبل وتأملت الجورب كأنه سرٌ خفيّ عليّ اكتشافه، وضحكت.. إنه جورب مغسول وحسب، لابد وأن أمي غسلته له حين عاد من اللعب وكنت نائمة..

عدت إلى أمي، وكانت تحدّق بي هذه المرة: أين هو؟ ابتسمت لي ولم تتكلم..

لقد ابتسمت، هذا يعني بأن والدي قد أخذه معه في جولة بالسيارة، سيعودون بعد قليل، وأنا أشعر بالنعاس، لم لا أنام؟ لكنني شعرت بأنني مشتاقة له، وبأن وقتا طويلا مرّ دون أن أراه، وتساءلت فجأة: لماذا كانت القطرات النازلة من الجورب غريبة؟ عدت مجدداً إليه، أمسكت الجورب بيديّ وكان جافاً، لا ماء فيه، لكن ما هذا الذي يسقط منه إذن؟ نزلت إلى الأرض وتأملت القطرات، لقد كانت حمراء..

ما إن قمت حتى رأيت أمي تقف قربي، تبتسم بقلق، قلق لا أحبّه، قالت لي: لم لا تدخلين؟ الجو بارد.. ووجدتني أشرع بقصّ حلمي دون مقدمات: رأيته يغادر معهم، وكان الدم ينزف من قدميه طوال الطريق، وحين سقط على التراب فجأة وذهبت إليه أتفقّده، كان قد اختفى.. أخذوه..

بدأت أبكي، أخذت أمي يدي وأعادتني إلى السرير ريثما تعود بالماء، فسمعتها تتصل بأبي، تقول له بأنني عدت للبكاء مجدداً، لكنني أكثر هدوءاً من الأيام الماضية: إنها تتحسّن..

حين أحضرت الماء، قلت لها: كانت الحكاية حمراء، والخطى عمرها سنوات قليلة فقط، وسُلبت مني.. طلبت مني أن أهدأ وأنام، وأن كل شيء سيتحسّن،  ونمت، نمت طويلا،

حتى أيقظني حلم مفزعٌ..

….

 

 

(2)

لا شيء يبقى من الحكاية

لم تمض عدة أيام على تعرّفي عليه، كان من هؤلاء الذين ما إن ترى عيونهم حتى تشعر بأنك لن تفلت منها أبدًا،  لكنهم قتلوه، رأيت وجهه الذي بالكاد أحفظه، بين وجوه القتلى، كنت أسير مسرعًا على الجسر وأتساءل: هل كان عليه أن يقف في وجوههم ليأخذوه!

الجسر مزدحم بالناس وعربات الباعة المتجولين وصياح النوارس، إنه الصباح وهناك من ما يزال يبدأ عمله بنشاط فيه، كم أحسدهم هؤلاء الذين يستطيعون البدء دائمًا، حتى وإن ساروا على جثث ودماء، لم أكن أرى وجوههم، ولا أستطيع الإنصات لما يقولون، أوقفني بائع متجوّل يبيع الذرة المسلوقة، لكنني لا أدري ماذا قال لي ولا بم أجبته، هناك غمامة من الحزن والأسئلة تحيط برأسي، وتعميني عن رؤية أي شيء، وجهه فقط كان شاخصًا في رأسي، أراه أمامي وعن يميني ويساري، أينما التفتّ أراه، عينان مشعّتان، لم أظن أنها ستنطفئ بهذه السرعة! تخيّلت له حياة شاسعة وطويلة، فمن لديه هذه الروح المشتعلة، والعينان المضيئتان، لم يكن الموت ليمدّ يده إليه باستعجال.. لكن ربما ليس هو الميت! ربما شخص آخر يشبهه، لماذا أنا متأكد من ذلك!

فجأة، ومن بين الزحام، يدٌ امتدّت إليّ، كفٌ موجهة إلى صدري أوقفتني، لم أتبيّن ملامح الوجه، لكنني عرفت أنه أحد أصدقائي، أوقفني دون أن يتكلم، ثم بدأ يسير جواري، بقيت صامتًا أنا أيضًا، لم أرغب بالتفوّه بأية كلمة، فالغمامة التي تحيط برأسي تحوّلت لصخرة وحطّت على صدري، كل ما كنت أستطيع فعله هو المشي، أن أستمر بذلك وإلى الأبد، أن احثّ السير إلى لا مكان، عسى أن يهدأ وجهه وتغيب عيناه عن رأسي قليلا، لأستطيع التنفس..

تذكّرت ما أخبرني به حين التقينا أول مرة، وقفت قبل نهاية الجسر كمن رأى شيئًا ويريد الإمساك به، فقرّرت تغيير وجهتي، استدرت وعدت أدراجي، والصديق استمر بالسير جواري دون أن ينطق بحرف، خشيت أن أنظر إليه فيبدأ حديثًا معي، لم أكن أريد التكلم مع أحد.

بعد ساعة من المشي المستمر والسريع وصلت زقاقًا ضيقًا، فيه بيوت على جانبيه بشبابيك تتطلّع إلى التي تقابلها بفضول، لم أكن أتذكّر المكان بالضبط، لكنني عرفت بأنني سأصله دون سؤال أحد، عيناه ستدلّني، لابد وأن البيت يشبهه، مضيء لكنه معزول، محترق لكن لا يظهر عليه شيء، يصرخ لكن صوته ينغرس في الداخل، ووجدته، في أقصى الزقاق، على يمينه، بيت بباب رماديّ قديم، طرقته مرتين حتى سمعت صوت أقدام بطيئة تتقدّم، فتحته امرأة في نهاية عشرينياتها، تضع على رأسها شالاً أزرق، وجه منطفئ، سألتها: أنا صديقه، صديق زوجك، لقد أخبرني بأنه كتب قصة قصيرة في آخر دفتر اشتراه، هل بإمكانك أن تعطيني إياها؟ أريد نشرها له..

ظلّت تحدق إليّ بشكٍ، حرّكت يديها وكأنها تعتذر على شيء ما، ثم قالت أخيرًا: أحرقت كلّ دفاتره بعد أن أخذوه.. لم أبقِ شيئاً.. وسكتت.

ـ حتى دفتره الأخير؟

ـ كل ورقة في غرفته..

أغلقت الباب بهدوء، وغابت عن عينيّ، لقد قتلوه، أنهوا حياته التي بدأت لتوّها، وقتلوا حكايته، لم يبق شيء، لا روحه ولا دفتره، كنت أقف غائبًا عن المكان والزمان، حين وضع صديقي يده على كتفي، يد مواسية، وكان لها أثر مطمئن غريب، لم أشعر به من قبل، شعرت بالامتنان على ذلك، وحين نظرت إليه مبتسمًا بأسى، رأيت وجهه، نفس العينان لكنما راحلتان، والروح مغلقة على ذاتها، إنه هو.. أبعد كفّه عن كتفي، ابتسم لي بامتنان، وغادر.

عدد المشاهدات : 204

 
 

شارك مع أصدقائك

أكتب تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *