مصطفى حجازي

مصطفى حجازي

مدير التحرير

في حالة العصبيات يُقيد الانتماء ويُحصر، وبالتالي يُحجر الانطلاق في المدى الكوني الرحب. ويتدهور مفهوم الوطن أو يغيب، مادام الوجود والمرجعية تظلان للقبيلة أو العشيرة أو الطائفة أو المنطقة. إنها حالة حصار تفرض على الإنسان عضو هذه العصبية. يكمن في هذه الوضعية أحد الأسباب الكبرى التي تحول دون تحوّل الدول الى أوطان بمعنى الكيان والمرجعية الفوقيين اللذين يتجاوزان الانتماءات الضيقة. ويظل الوطن الذي لم يتكوّن، رهينة تصارع العصبيات على غرار تصارع القبائل في البادية على الكلأ والماء. على أن الاستبداد حين يصل حد الطغيان، وحين تحيط المخابرات بالإنسان من كل مكان وتُحصى عليه أنفاسه، وحين يُعتبر السلطان بأنه مالك للأرض وما عليها، وبالتالي مَن عليها، وأن كل غُنم يصيب إنسان ما، هو مكرمة أو منّة منه، وأن له حق التصرّف بالموارد والثروات والمقدرات والمصير والبشر، يُهدر حق انتماء الإنسان ويُصادر حقه البديهي بالمواطنة. يصبح الإنسان غريبًا في وطنه فاقدًا للسيطرة على مجاله الحيوي، وبالتالي محرومًا من الانطلاق الواثق في هذا المجال الى مجالات أرحب، ومحرومًا من الإنغراس الذي يوفر الثقة القاعدية بالكيان والاحساس بالمنعة. تتحوّل المواطنة من حق أساس إلى منّة أو هبة يمكن أن تُسحب في أي وقت. وبالتالي يُسحب من الانسان الحق في أن يكون ويصير من خلال ممارسة الإرادة والخيار وحق تقرير المصير. إنها كارثة وجودية أخرى تجعل من أي مشاريع تنمية أو إنماء وعمران حديث خرافة. ذلك أن الإنسان المُستلب في وطنه ومجاله الحيوي لا يمكن أن يُعطي، وبالتالي أن يبني. يقنع في أحسن الأحوال بالتفرُّج السلبي في حالة من الغربة، كما ينحدر الوجود إلى مستوى الرضى بمكسب مادي يغطي الاحتياجات الاساسية. وقد يستجيب الإنسان لهدر مواطنيته وانتمائه في أن يتصعلك مُتنكرًا لشرعية السلطان وناسه، وصولاً إلى التنكر للوطن ذاته في نوع من الهدر المُضاد. إلا أن أشد درجات الهدر المضاد قد تتخذ طابع هدم الهيكل عليه وعلى أعدائه فيما بدأ يشيع من سلوكيات تطرف جذري.
***

إن الكثير من التصرفات الاستعراضية التي تشيع في البلدان النامية، تهدف بالتحديد إلى التستر على عقده العار، خصوصًا الاستعراض الاستهلاكي. يأتي بعده كل أشكال الإدعاء والتبجّح وخداع الآخرين بجاه أو مال أو حظوة لا أساس لها من الواقع. إن إنسان العالم المتخلف هو أسير المظاهر مهما كانت سطحية، مادامت تخدم غرض التستر على عاره الذاتي.
***

إن الإنسان المقهور في المجتمع المتخلف يحس بالغربة في بلده. يحس بأنه لا يملك شيئًا. حتى المرافق العامة يحس أنها ملك للسلطة، وليست مسألة تسهيلات حياتية له هو. ذلك أن الهوة كبيرة جدا بينه وبينها، وأن ما يستحقه من خدمات وتقديرات تُقدم له (إذا قدمت) كمنّة أو فضل، لا كواجب مستحق له. عندما يخرب المرافق العامة فهو يعبر عن عدوانيته تجاه المتسلط.
***

الإنسان المتخلف المقهور، يؤمن أشد الإيمان بما يتناقض مع مصلحته وحاجته إلى الانطلاق. يؤمن بالتربية والحظوظ الدنيوية وتفاوتها، فالناس درجات ومقامات، وليس لمغبون أن يعترض على ما يلحق به من حيف, أو يتطاول كي يأمل في مساواة مع الفئة المحظوظة. عليه أن يتقبل وضعية الاستغلال الذي يلحق به, وأن يعترف بسيادة المتسلط. ليس له أن يطالب بمساواة, بل كل ما يمكن أن يطمح إليه هو الأمل في فضل يتفضل به عليه ذوو الحظوظ. كل ذلك يعطي المتسلط مشروعية تصل حد التقديس, يحرص عليها هذا الأخير ويعززها بجميع الوسائل.
***

أبرز مظاهر التبخيس والعدوانية التي تُفرض على الإنسان المقهور من قبل المتسلط،  الإعجاب به والاستسلام له في حالة من التبعية الكلية. وبمقدار ما ينهار اعتباره لذاته يتضخم تقديره للمتسلط، ويرى فيه نوعاً من الإنسان الفائق الذي له حق شبه إلهي في السيادة والتمتع بكل الامتيازات, تلك علاقة رضوخ مازوشيه من خلال الاعتراف بحق المتسلط بفرض سيادته. ومن هنا تبرز حالات الاستسلام والتزلف والتقرب.
***

آفة الأخبار رواتها، وآفة القضايا مناصروها، وآفة المعتقد دعاته.
***

إن التلذذ في مهانة الانسان المستضعف والبطش به تحت ستار ممارسة وظيفة الحفاظ على الأمن، يشير إلى المرض العلائقي الذي ينخر بنية العالم المتخلف.
***

كل ما هو عابر محتمل نفسياً مهما كانت شدتّه.
***

من مشكلات التعلم الشائعة في المجتمعات النامية، الإنفصام بين لغة العلم وبين لغة الحياة اليومية.
***

الركنان الآخران المتمان لعمل المخابرات: العصبيات على اختلاف ألوانها, والأصوليات الدينية المتفاقمة.
***

مأساة المنتحر تكمن بالتحديد، في أن تدمير الذات المدانة وصورتها السيئة يتم من خلال الجسد (وعاء الذات الوحيد). وبالتالي القضاء الفعلي على الوجود. أما في وهم المنتحر، فالأمر لا يعدو القدرة على الإقدام على فعل خطير وجذري من أجل الخلاص.
***

اللافت للنظر هو أن المجتمع التقليدي، والذين يمسكون السلطة فيه ويتمتعون بكل الامتيازات، لا يبرزون من الدين سوى الجوانب التي تؤكد سلطتهم، وتعزز العرف الشائع والنظام المرتبي. فقط تلك الجوانب التي تؤكد على القناعة بالأمر الواقع وتقبله، تبرز وتتكرر على مسامع المغبونين. أما الجوانب الثورية في الدين، أما جوانب التحرر والإبداع والتغيير، والعدل والعدالة والتصدي والشجاعة والجهاد في سبيل الحق وفي سبيل كرامة الإنسان، فيسدل عليها ستار كثيف من التعتيم.
***

إن العلم لا يشكل بالنسبة للعقل المتخلف أكثر من قشرة خارجية رقيقة يمكن أن تتساقط إذا تعرض هذا العقل للاهتزاز. إن العلم ما زال في ممارسة الكثيرين، لا يعدو أن يكون قميصًا أو معطفًا يلبسه حين يقرأ كتابًا أو يدخل مختبرًا أو يلقى محاضرة، ويخلعه في سائر الأوقات.
***

كلما زاد التصريف اللفظي للعدوانية، انحسر خطر تصريفها في سلوك حركي عنيف.
***

عواصم العالم المتخلّف، ليست بدورها سوى جزر وجاهة في محيط من البؤس.
***

عند حد معين من مستوى دون خط الفقر، تهون القيمة الإنسانية لدرجة التلاشي، وتغيب معها كل معاني الكرامة، ويفتح الباب على مصراعيه لمختلف أشكال انحطاط الوجود، ولاستباحة إنسانية الإنسان، أو رضوخه هو ذاته لاستباحة وجوده، بحيث يصبح الشيء القابل للتصرف فيه.
***

وتتحول الدراسة إلى عملية تدجين، تفرض الخصاء الشخصي والفكري على الطفل، كي يكون مجرد أداة راضخة. يتم ذلك بالطبع تحت شعار غرس القيم الخلقية: قيم الاحترام والطاعة والنظام وحسن السيرة والسلوك. ولا يسمح للتلميذ أن يعمل فكره ، أن ينتقد ، أن يحلل ، أن يتخذ موقفاً شخصياً ، أن يختار ، لا يسمح له ببساطة أن يكون كائناً مستقلاً ذا إرادة حرة . وبالتالى يقع ضحية عملية خصاء ذهني.
***

الكثير من مظاهر الشكوى الجسدية في مجتمع القهر تبدو، كما أثبتت الإستقصاءات العيادية الطبية، مجرد أقنعة تُخفي الشكوى الوجودية التي لا يتاح لها التعبير المباشر.
***

فالاستبداد ليس مجرد حجب الديموقراطية أو منع الحقوق، بل هو علاقة مختلفة نوعيًا، تقوم على اختزال الكيان الانساني للآخرين على مستوى “الرعية”، التي تعني لغويًا القطيع من الأغنام أو الأكباش الذي يمتلكه السلطان و يحميه و يرعاه، والذي يهلك بدون هذه الحماية و الرعاية، لأنه لا يملك القدرة أو الإرادة على الامساك بزمام المصير.
***

ليس أشد قسوة وبطشًا في التعامل مع المواطن المستضعف، من الشرطي الذي كان مستضعفا ومسحوقا قبل دخوله سلك الشرطة. إنه يتحول من إنسان مهدَّد إلى مستبدّ يتشفى ممن لا زالوا مستضعفين. يصبّ عليهم كل عنته وحقده المتراكم، في حالة من التنكر التام لانتمائه الأصلي وشرطه الانساني السابق. وهو يشتطّ في استعراض بعض مظاهر ورموز القوة والسلطة في وضعه الجديد.
***

إن طول معاناة الإنسان المقهور, ومدى القهر والتسلط الذي فُرض عليه، ينعكس على تجربته الوجودية للديمومة، على شكل تضخم في آلام الماضي وتأزم في معاناة الحاضر وانسداد في آفاق المستقبل. إن العجز أمام التسلط، وما يستتبعه من عقدة نقص، والعجز أمام قوى الطبيعة وما يحمله من انعدام الشعور بالأمن، يجعلان الإنسان المتخلف فاقداً للثقة بنفسه وإمكاناتها، فاقداً الإحساس بالسيطرة على مصيره في يومه وغده.
***

أحكام الإنسان المتخلف على الظواهر والأشخاص يشوبها الكثير من التحيز والقطيعة. إنها أحكام متسرعة ونهائية، تصنف الظواهر والناس في فئات جامدة، سالبة كلها أو إيجابية كلها، أو هي متأثرة إلى حد كبير بالأفكار المسبقة والآراء الشائعة التي يطغى عليها التعصب.

عدد المشاهدات : 1150

 
 

شارك مع أصدقائك

Comments are closed.