وأنتِ تعرفين

وأنتِ تعرفين

عبدالعزيز البرتاوي

وأنتِ تعرفين: لم تعد الأمور كما كانت. تغيّرت الأشياء، وتغيرت عيوننا التي ننظر بها إليها. جديلة شعرك، أي تعبير بليد هذا، خصلة الحرير التي تُمدّد فساحة شوارع المدينة في مداي، لم تعد قداستها كما يجب، وأنا أرى طائرة تخرج من بلدي، لتدك في يمننا التعيس مدرسة طفلات، كان حلمهنّ بعض من جديلتك، لكن التراب الذي مرّغ تلك الجدائل أبى، وحشى فمي وقلبي، فيما حشى.

وأنتِ تعرفين: لم تعد عينا إيمان عيّاد، تغرورقان مساء النشرة، ولا نحن. لقد اعتدنا كل هذا الموت. ولقد كبرنا تحت عينيها الجميلتين، عشرون عامًا، والدم لو كان ماءً، لاستحينا، وروينا، ومضينا. ولقد كبر موتنا، حتى فاق كل هذا الحزن. ولقد متنا كثيرًا، ونُشرنا على حبل غسيل النشرة.

ونحن اللذين كان منتهى خلافنا، هل نشرب قهوتنا بحليب، أم سادة، كما يجب على السادة، من يحترمون القهوة، كما لو كانت فتاة في أول مواعيدها، صار خلافنا على الدم. أي الدمين أرخص؟ دمي؟ أم دم الغريب؟ دم الأخ الذي مضى دون أن يودّع أمه، أم دم الغريب الذي مضى نحو الموت ليجد أمّه أمامه؟

ونحن الذين درّسنا الشيخ الجهول سنينًا، حرمة التبرّك بالآثار، دكّت طائرتان من حكومته، كل ما بقي من آثار ومن بركة، وما قال اللعين حرفًا.

أتعلمين؟ منذ متى لم نكتب رسالة؟ منذ متى والأسى ليس الأسى، والصباح يجيء كئيبًا رتيبًا، نحصي معه ما تساقط من الشعر البهيّ، ونعقد في كل واحدة أمنية: أن تقف الحرب يومًا، وأن لا تطالنا لعنات الإخوة الذين صاروا أعداء بأمر الحكومة، مقابل الإخوة الذين صاروا شهداء، بموجب أمر الحكومة أيضًا.

أتعرفين: ذاك الذي مرة استاء لبذاءة ميللر، ثم تقيّأ حين قرأ بوكوفسكي، وجاء يحدثنا عن أدب البذاءة، فوهبناه حزمة طازجة منها، ذلك أنه ليس أبذأ مما نحن فيه الآن، وأن الذين كتبوا أدبهم أو لا أدبهم بصديد عرق الشوارع، وتثلّم أظفار مدماة على أرصفة التشرد، ليسوا بحاجة لرأي نقدي من أحمق سجل في قائمة قراءاته علامة كاملة أمام كتب الرطيان أو ياسر حارب، وعليه فإننا مهددون أخلاقيا، حين يتجرأ مثل هذا، لنقد بوكوفسكي أخلاقيا، أو ميللر، لأن من يده اسودّت من الحبر والعرق والتعب والتشرد والتدوين، لا تساوي يدًا اسودّت من أكواب ستار بكس، ونقر أيقونات الإعجاب أمام خلاصات حكم مستغانمي.

نحن بحاجة إلى جيل بذيء يا عزيزتي. جيل يقرأ الجريدة من صفحتها الأخيرة، جامعًا كل ما يمكنه في فمه من بصاق طيلة التصفح العابر، حتى إذا ما وازى الوجوه القبيحةَ أول الجريدة، دفع بما في فمه، ليواري سوأة المدينة. نحن بحاجة إلى جيل يتمثل قول عجوز غاليانو في الكنيسة، وهي تصرخ في القدّاس الأعظم ذات يوم عطلة، مستشاطةً غضبًا وحنقًا: “لقد ولّى الزمن الذي كان الله يأمر بأنه إذا صفعك أحدٌ على خَدَّك، أدر له الثاني، الآن من يغبّر على حذائي، سآخذ روحه”. وبغير هذا، سنظل أعرابًا حمقى، لا دينًا ولا دنيا، ننتظر شرهة الأمير، ومغنم تغيّر الوزير، ولفتة من الذين تقدست أسماؤهم بالنُطف، أعرابًا، لا مكان لنا من الإعراب إلا مجرورين أو مكسورين أو مجزومين محرومين، غير ظاهرين ولا سالمين.

أوه، يا أيها اليمن الجليل، جاءك الموت من الذين ما كنت يوًما لهم، سوى الأصل. النكرات الذين تنازوا عليك في سوق المزاد السياسي، متناسين أن الغصن الذي ينشر شجرته يسقط أيضًا، وأن الديك الذي يؤذن على جثة أخيه، لم ولن يبيض.

يا أيتها المدن المعفرة بالدمار والتراب والخراب والحِراب، سلام عليك، ماذا ستكتبين عنا في كتب التاريخ البارد، نحن الذين كنّا إخوة، فاستيقظ الشيطان يومًا، وقال: صيروا أعداءً، فصرنا. صيري خرابًا، فصرتِ، وصرّت في قلبي طعنات الحراب.

ولستُ آسى على الذين آذتهم الحرب. كل حرب مؤذية. آسى على الذين ابتهجوا بها. رقصوا. هتفوا. علّقوا صورًا لأسلحة، وأعقبوها بضحكات وقهقهة. لكأن الحربّ تصبّ نارها في بلاد أنكى الأعداء، وأبعدهم. لكأنها بعض مزح الطفولة، لكأنّ الدمَ ماء. لكأنّ الماء، ليس شحيحًا في هذه الصحراء، كما الرجولة والرشد اليوم.

أيتها المُستغنى عن السُكْر والسكّر بك، تمهّلي. حزنكِ يجعل جمالكِ، أكثر. لكأنما الحرب، أن نخسر كلّ شيء، ونكسب جمال عينيك الحزينتين. والطفلة التي علّقتِ صورتها، وهي تحمل لوحة مضرجة بألوان الطفولة، وتنادي أوقفوا الحربَ، مضت هذا الصباح، نحو مدرسة، كان مدار القصف، يصوّب بوصلته في أوسطها، لم تكن تعلم أنّ درس الحساب، الذي راجعته مساءً، سيكون مفيدًا للأم الأمّية، وهي تحصي أشلاءها، بين أنقاض المدرسة. مضت، ولم تعد، واللوحة ضرّجت بأحمرٍ أكثر.

أوَ تعرفين. أخجل من أعين اليمنيّين في بلادي. صباحًا في مطاعم الفول والتميس والأطباق اليمنية، تحكي أعينهم الكثيرَ، ويخافون عينيّ، حين ببلادة أقول: صباح الخير. لكّأنهم ليسوا القتلى، لكأننا لسنا القتلة، ونشتم آخرين بعيدينَ، ونلعن إسرائيل.

لقد صار من بلادتنا يا حبيبتي، أن شيخًا جليلًا، يقدم في مدينتنا درسًا من ثلاثين حلقة، عن العظة والاعتبار من سقوط الأندلس. وأثناء درسه الثلاثيني الجادّ، سقطت ثلاثون مدينة في عالمنا العربي المدمى، سقطت ثلاثون قذيفة على تعزّ، وثلاثون شهيدًا في حلب، ومنارتان في الموصل، وعشرة فلاحين في سيناء، وستة أطفال في ليبيا، ودمعة من عين حبيبتي. أيها الشيخ المغفل، إننا نسقط كل حين، بلا عظة ولا اعتبار، فدع الأندلس لأهلها، ميسي وكريستيانو يتكفلان بفتح أبوابها، بينما كل حظ تاريخك الآن، أن يكون المعلق على مباراتيهما يوسف “سيف”.

عدد المشاهدات : 3111

 
 

شارك مع أصدقائك

One Comment

  1. أقف عاجزا عن الوصف .. وما يدفعني للصمت أمام هذه الكلمات إلا قشعريرة تملكتني فاعتصرت فُؤادي حتى دمعت عيني .. اُحييك بكل أقلام المُبدعين .. وشرف لي أن أقرأ كلماتك ..