الشِّعر في زمن العنف
مدير التحرير
من ملحمة هوميروس إلى القصائد الخارجة من أوكرانيا وغزة، يبدو الشعر قادرًا على بلوغ تلك المنطقة التي تقف عندها اللغة العادية عاجزةً عن الكلام.
يُنتظر أن يحقق الشعر هذا العام أعلى مبيعاته منذ بدء تسجيل البيانات. وقد يبدو السبب واضحًا: السينما. ففي المملكة المتحدة، ارتفعت مبيعات «الأوديسة» بنسبة 1400 في المئة خلال أربعة أسابيع، بينما زادت مبيعاتها في الولايات المتحدة بنسبة 76 في المئة منذ بداية العام. لقد أعاد فيلم كريستوفر نولان هوميروس إلى واجهة المكتبات، مهما تكن المآخذ على الفيلم، ولدى إميلي ويلسون، صاحبة أشهر ترجمة حديثة للملحمة، بعض المآخذ أيضًا.
لكن الشعر يزدهر حتى إذا استبعدنا «أثر الأوديسة». ويظهر ذلك في الإقبال على كتّاب يُصنفون، بشيء من الاستخفاف، ضمن «شعراء إنستغرام»، مثل لوكاس جونز. قد تبدو كتاباتهم أقرب إلى حكم متفائلة سريعة منها إلى القصائد الكثيفة، الغنية بالإحالات والطبقات، أو إلى الموسيقى الصافية التي تحمل ملحمةً مترجمةً بإتقان. ومع ذلك، يحاول هؤلاء الشعراء الإمساك بشيء لا تستطيع اللغة اليومية التعبير عنه، ويجد القراء في تلك المحاولة ما يمسهم.
على أن أرقام المبيعات، مهما ارتفعت، تظل مقياسًا قاصرًا. فهي لا تخبرنا بما يحدث في الإنسان حين يقرأ قصيدةً جيدةً: بما تفتحه فيه، وبالذكريات التي تستدعيها، والصلات التي تنسجها بين حياته وأزمنة وأمكنة بعيدة. ولا تقيس رجفة الاغتراب التي تتركها القصيدة، أو ذلك الغموض الذي يربك القارئ ويغويه في آنٍ واحد.
قد يظل بعض الشعر عصيًّا على الفهم، رافضًا أن يكشف عن نفسه كاملًا. وربما كان الأجمل ألا نتعامل مع القصيدة بوصفها أحجيةً ينبغي حلها، بل أن نستسلم للأثر الذي تخلقه فينا. فالشعر، بطبيعته، يقول ما لا يستطيع النثر قوله. قد يقاوم قارئه ويبطئه، لكنه يصبح ضروريًّا في لحظات الطوارئ، حين تعجز اللغة المألوفة عن بلوغ اللحظة أو الشعور أو الفكرة.
ليس الشعر هامشًا زائدًا على الحياة. وما تعلمته خلال عملي الصحافي في أوكرانيا أن الحاجة إليه تزداد حين تحوم الكارثة فوق الرؤوس، لا حين تلوح من بعيد.
شهدتُ أكثر الأمسيات الشعرية خشوعًا في خاركيف، المدينة الواقعة على خط المواجهة، على بعد ثلاثين كيلومترًا فقط من الحدود الروسية. روت شاعرة كيف كانت تنقش قصائدها على جدار زنزانتها في سجن روسي، بينما كان الحاضرون يرددون بصمت، مع سيرهي جادان، أبياتًا حفظوها من قصائده.
وقد أدركت المراسلة الحربية ليندسي هيلسوم هذه الحقيقة منذ زمن. لذلك جمعت في كتابها «أحضرتُ الحرب معي» قصائد كُتبت في أزمنة وحروب مختلفة، ووضعتها إلى جوار حكاياتها من ساحات النزاع. فالقصيدة لا تروي الحرب من خارجها، بل تحفظ ما تفعله في أعماق الإنسان.
والشعر الخارج اليوم من غزة، وما يكتبه الفلسطينيون الموزعون في أنحاء العالم، مثل هيا محمد وفادي جودة، يشكل في مجموعه واحدةً من أبلغ الوثائق عن الحياة وسط الكارثة. ثمة إلحاح وحيوية وتكثيف في هذه القصائد، يصعب على أي فن آخر أن يبلغها.
قالت الشاعرة الأوكرانية هالينا كروك عام 2022: «لا تنفع الاستعارات في مواجهة رجل يحمل رشاشًا، ولا يستطيع الشعر أن ينقذك من دبابة». وهذا صحيح؛ فالشعر لا يصد الرصاص ولا يحمي صاحبه من القصف.
لكن الحرب نفسها تكتب شعرها القاسي على الأرض. وكما تقول الكاتبة الأوكرانية كاترينا ياكوفلينكو، تبدو الخرائب والبيوت المهجورة والغابات المدمرة والأراضي المحروقة والطرق التي شقتها المدرعات كأنها حروف وجمل لم تُكتب بعد.
وعلى الرغم من عجز القصيدة عن حماية كتّابها، فقد بدأ الشعر يظهر في أوكرانيا بسرعة مدهشة عقب الغزو الشامل. كان الشكل الأقدر على مواجهة انهيار المعنى الذي أحدثه العنف؛ ذلك الإحساس بأن الزمن فقد دلالته، وأن المستقبل انتُزع فجأةً من مكانه. فالقصيدة يمكن أن تُكتب سريعًا، بالقليل من الوسائل، وفي أكثر الأمكنة قسوةً: في الملجأ أو الخندق.
توقفت الروائية فيكتوريا أميلينا، التي قُتلت لاحقًا في قصف روسي استهدف المطعم الذي كانت تجلس فيه، عن كتابة الروايات واتجهت إلى الشعر. فالرواية تحتاج إلى زمن كي تُكتب، كما أن الزمن نفسه أحد مكوناتها، بينما جاءت الحرب أسرع من قدرتها على السرد.
بدت بعض قصائد أميلينا كأنها تنكر على نفسها حتى اسم الشعر؛ مجرد بقايا لغة أصابتها الشظايا. وكتبت في قصيدتها «ليس شعرًا»:
«لكن واقع الحرب
يلتهم علامات الترقيم،
وبنية الحبكة،
والبنية».
وكُتبت القصائد على الجبهة أيضًا. لم يكتب الشاعر الشاب آرتور درون، الذي خدم في الجيش الأوكراني أكثر من ثلاث سنوات، عن البطولة أو الاستعراض؛ بل صنع مراثي صغيرةً ورقيقةً لرفاقه القتلى، وحفظ لحظات عابرةً لا مكان لها في نشرات الأخبار أو كتب التاريخ.
في إحدى قصائده، يتذكر طفلًا من قرية مجهولة قرب خط المواجهة، أصبح رفيق الجنود وتميمتهم الصغيرة. وفي عيد الميلاد، تركوا له:
«كيسًا من ألواح سنيكرز المهشمة
وحباتٍ من اليوسفي،
ذلك الذي يحتوي على بذور،
لكنه حلو جدًّا».
حادثة صغيرة لا تستحق خبرًا، ولا تبدو جديرةً بالتاريخ، لكنها استحقت قصيدةً. ولهذا تصف الشاعرة والجندية يارينا تشورنوغوز ما تكتبه بأنه «توثيق للمشاعر».
في قلب الكارثة، تنجو القصائد بعدما تتخفف من كل شيء، وتعود إلى أقدم أشكال التعبير الإنساني وأكثرها جوهريةً: مرثية للميت، وتهويدة للطفل، ولعنة في وجه القاتل.
يحتاج البشر إلى هذه الأغاني والقصائد؛ لأنها الدليل على أنهم عاشوا وشعروا وفقدوا وأحبوا. قد تُنسى القصيدة، لكن حظها في البقاء أكبر من أشياء كثيرة يصنعها الإنسان. وقد تصبح، في النهاية، نصبًا للذاكرة أبقى من البرونز.
— عن مقال لشارلوت هيغنز، منشور في صحيفة The Guardian، 10 أغسطس 2026.
عدد المشاهدات : 38
شارك مع أصدقائك
Comments are closed.
