يا ولدي ويا ابنتي
مدير التحرير
هذه رسالة إلى جيل أصغر سنًّا، يشاهد الحرب على الفلسطينيين في غزة، ويحاول أن يصوغ صورة متماسكة لما يرى.
أعرف، يا ولدي، أنك ترى حطام المنازل في غزة ركامًا، لكن ما تهشّم ليس خارجنا وحده؛ ما تشظّى في داخلنا أشدّ، كالزجاج حين يسري فيه شرخ لا يتوقف. لقد تحطّم ما بنيناه من أفكار عن عالم يحكمه القانون، وتحيط به الأخلاق بسياج. هذا هو الذي انهار، وهذا ما يجعل النوم يجافي عيوننا، على الرغم من بُعد المسافة.
يا ولدي، لا تغرّنك أصوات ظنّت أن المثقف هو مَن يخالف التيار العام وينتقده. قد يكون ذلك جائزًا ومقبولًا في أزمنة العمران، لكنه يصبح جهلًا في زمن الخراب؛ والخراب هنا داخلي أيضًا. فلا تظن أن نقدك لحركة المقاومة الإسلامية «حماس» في هذه اللحظة فعل تنوير. إنه، في هذا الظرف، شذوذ عن جوهر التنوير؛ فالتنوير يبدأ بالانحياز إلى كل ما هو إنساني، إلى ذلك النسيج الكامن في داخلنا، بشعيراته الدموية وشبكة أعصابه الدقيقة، التي تجعل الإنسان إنسانًا. إلى هذا ينبغي أن تنحاز؛ إذ لا يوجد علم إنساني أو نظرية جامعة تستطيع أن تفسّر لنا هذا التوحش البشري المنفلت أمام أعيننا. فهل ستنحاز إلى التوحش بدعوى المخالفة وممارسة ما تظنه عقلًا نقديًّا؟
يا ولدي، ومن واقع تجربتي الشخصية، لا ينبغي أن تبهرك لحظة ظهورك على شاشة «سي إن إن»، ولا أن يدعوك الكونغرس الأميركي إلى جلسة استماع فتصبح نجمًا. لقد فعلت ذلك كله قبلك، ولديّ من رصيد الكتابة والظهور في الغرب ما قد يغريني بأن أعود نجمًا مرة أخرى؛ ولا يتطلب الأمر سوى أن أعلن إدانتي لحماس.
صدّقني، يا ولدي، أستطيع أن أقدّم تحليلًا مبهرًا للأخطاء التي وقعت فيها حماس في تقدير الموقف. وكل ما تقرؤه الآن مكتوبًا «نيّ في نيّ» أستطيع أن أطبخه، وأقدّمه وجبة تُبهر نتنياهو وبايدن ومَن يقف بينهما. لكن ذلك سيكون إسفافًا وانحيازًا ضد كل المادة الروحية والإنسانية التي كوّنت دواخلي.
أن تقف في المنتصف، معلنًا أنه من التنوير ألّا تنحاز إلى المظلوم، وأن ترى وجاهة في منطق الظالم، فذلك تنكّر لإنسانيتك. وكما قال ابن المقفّع: لا تتتبّع وحشيّ الكلام ابتغاء البلاغة. ووحشيّ الكلام أمر شهيّ إذا كنت تطلب الشهرة.
أحمل عدة جوازات سفر غربية، وكان بوسعي أن أنحاز إلى مواقف حكوماتها وأبرّرها، فتطرق النجومية بابي. لكنني إن سمحت لها بالدخول خسرت كينونتي؛ خسرت جذع الجميزة الذي كنت أتكئ عليه صغيرًا في غرب الأقصر، وخسرت لوح تحفيظ القرآن في الكُتّاب، وخسرت أعظم القيم التي علّمني إياها ذلك العجوز الساكن عند جبال الأقصر؛ ذلك الذي قيل إنه قابل سيدنا الخضر، فدعا له وعلّمه من لدنه علمًا. سأخسر كل هذا الذي لا تساويه الدنيا. وتذكّر، يا ولدي، أنها دُنيا: من القرب والدنوّ، ومن الدنيّة والدناءة أيضًا.
يا ولدي، لا ينبغي أن يبهرك الشذوذ، ولا تظنّن السراب ماءً، ولا وهج الشاشات هالةً تحيط بك. ما يحدث في غزة أمر جلل وخطب عظيم؛ فلا تهن، فإن ذلك من عزم الأمور.
لا تنجذب إلى الهوامش، يا ولدي، وتأكّد أنك عقدة أصيلة في نسيج السجادة، مهما أغراك بريق الأطراف.
أكتب إليك، يا ولدي، من بلاد بعيدة، ولا أعرف إن كان هذا النَّفَس سيخرج ثم يعود، أم يخرج فلا يعود. أنا لا أدعوك إلى التمسك بأصل يجعل من قلبك حجرًا حين ترى الآخر المختلف؛ بل أدعوك إلى أن تكون أصيلًا ومرنًا، وأن تتخذ من الدنيا مسافة جمالية تسمح لك برؤية اللوحة الانطباعية الممتدة أمامك: فلا تقترب منها حتى تتلاشى اللوحة في تفاصيلها، ولا تبتعد عنها حتى يزيغ البصر. قف عند تلك المسافة التي تمنحك البصيرة قبل الرؤية.
وهذا جزء من وصيتي.
- مقال لأستاذ العلوم السياسية: الدكتور مأمون فندي، نشره على حسابه الشخصيّ
عدد المشاهدات : 15
شارك مع أصدقائك
Comments are closed.
